نحن نحب الحرية، أو هكذا نظن. نضيق ذرعًا بمن يقرر عنا، ونقاوم ما ينتقص من قدرتنا على الاختيار، لكن شيئًا يتبدل حين تصبح الحرية بين أيدينا: نتردد، ونبحث عمن يطمئننا إلى صواب ما فعلنا، وأحيانًا عمن يختار نيابة عنا. كأننا نشتهي الحرية ما دامت بابًا مغلقًا نطالب بفتحه، ثم نكتشف، حين يُشرع أمامنا، أن علينا أن نقرر بأنفسنا الوجهة التي نمضي إليها. ربما لأننا اعتدنا النظر إلى الحرية من زاوية واحدة؛ فنراها محض تحرر من القيود، ونغفل عما تضعه على عواتقنا من مسؤولية. فالاختيار لا ينتهي لحظة اتخاذ القرار، بل يبتدئ منها؛ إذ أن تختار يعني أن تتعايش مع ما اخترته، وأن تتحمل نصيبك مما يترتب عليه، وأن تتجرد من رفاهية تعليق مآلات حياتك على مشجب الظروف أو المجتمع أو الآخرين. هنا يتجلى الوجه الأقل إغراءً للحرية: أنها تمنحنا حق الاختيار، لكنها تنتزع منا في المقابل عذرًا مريحًا. ربما لهذا يبدو الانقياد، على ما فيه من تنازل، جذابًا أحيانًا؛ فمن يترك للآخرين تحديد مساره، يحتفظ دائمًا بعزاء أخير: أنه لم يكن يوماً صاحب القرار.
إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
04 سبتمبر 2026
22 أغسطس 2026
الأدب السعودي والترجمة: جدلية القوة واستحقاق الحضور
تتجاوز قضية ترجمة الأدب السعودي حدود النقل اللغوي المباشر، لتلامس في عمقها جوهر الصراع الحضاري وسؤال الوجود في عالمٍ لا يعترف إلا بالمؤثرين والفاعلين؛ فالترجمة في العرف الثقافي المعاصر لم تعد مجرد نافذة نطل منها على الآخر، أو جسر للتواصل البريء، بل هي مرآة تعكس ثقلنا الحقيقي في ميزان القوى الدولي. وفي ظل التحولات البنيوية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يصبح الحديث عن "العالمية" حديثاً عن استحقاق وطني ملحّ، لا عن رغبة عاطفية في نيل رضا الغرب أو استجداء تصفيقه. إن عبور أفق العالمية يتطلب، كشرط أولي، تفكيك هذا المفهوم الملتبس، والاعتراف بشجاعة نقدية بأننا نتحرك في فضاء محكوم بقوانين الهيمنة، حيث "علاقة الغرب بالشرق هي علاقة قوة، وعلاقة هيمنة وسيادة"[1]، كما كشف إدوارد سعيد في تشريحه الدقيق لبنية الاستشراق. هذه الهيمنة تعني أن المركزية الغربية هي التي تمتلك أدوات التعريف والتصنيف، وهي التي تمنح "صكوك الاعتراف" لمن يدور في فلكها. ومن هنا، فإن السعي لترجمة أدبنا لا يجب أن ينطلق من شعور بالتبعية أو رغبة في إثبات الذات أمام الآخر وكأننا في قفص الاتهام، بل يجب أن ينطلق من منطق فرض الذات بوصفنا قوة صاعدة تمتلك مشروعاً حضارياً مكتملاً، وقيمة جمالية أصيلة تستحق أن تُروى.
إن الرهان على فضول الغرب لكي يكتشف أدبنا من تلقاء نفسه هو رهان خاسر إذا لم يستند إلى قاعدة صلبة من النفوذ؛ فالغرب المكتفي بذاته ثقافياً لا يبحث عن الهامش إلا إذا تحول هذا الهامش إلى مركز قوة يؤثر ويتقاطع مع مصالحه الحيوية. والحقيقة التي يجب أن نعيها هي أن الثقافة تظل، في نهاية المطاف، ظلًّا ممتدًا لنفوذ الدول، وصدىً يتردد في فضاءات قوتها الاقتصادية والسياسية، فمتى ما ازداد الثقل الجيوسياسي للدولة، وتعاظمت قوته الاقتصادية وحضوره الدبلوماسي، تحول التجاهل الغربي إلى فضول قسري، ورغبة ملحة في فهم هذا العملاق الصاعد، والبحث في جذوره الثقافية وتقاليده الأدبية التي صنعت هذا التفوق.
تبرز التجربة اليابانية هنا كدليل حي وبرهان واضح؛ إذ لم يتنازل اليابانيون عن هويتهم، ولم يكتبوا أدباً يُفصَّل على مقاس الذائقة الأوروبية، بل ظلوا متمسكين بأدق تفاصيل تقاليدهم وأصالتهم، وفي الوقت ذاته انفتحوا تقنياً ومعرفياً وحققوا ثقلًا جيوسياسيًا هائلًا. هذا الثقل هو الذي أجبر الغرب على احترام "الكيمونو" وقراءة "الهايكو"، محققين بذلك توازنًا دقيقًا يثبت أن الانفتاح لا يلغي الأصالة، وأن التمسك بالجذور لا يعني الانعزال، وأن التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي هما البوابة الحقيقية التي يعبر منها العالم لفهم الشعوب. هذا الفهم العميق لثنائية الأصالة والانفتاح هو ما يحيلنا إلى المعنى الجوهري للإبداع، حيث لا يمكن للأدب أن يكون مؤثراً عالمياً وهو يرزح تحت وطأة التكرار والجمود. وهنا يمكن استحضار ما يذهب إليه أدونيس في سياق نقد الجمود الفكري بأن "الإبداع هو التجاوز، ولا تجاوز إلا بالحرية، ولا حرية إلا بخرق المحرمات المعرفية"[2]، ولا يُقصد بخرق المحرمات هنا المساس بالثوابت القيمية أو الأخلاقية، بل يُقصد به تلك الجرأة المعرفية في تحطيم أصنام العادة، والخروج من قوقعة المحلية الضيقة، وكسر حواجز التفكير التقليدي الذي يعيق رؤية الإنسان والعالم. إن احترام الثقافة المحلية والتمسك بالأصالة لا يتعارضان البتة مع هذا النوع من التجاوز الخلاق، فلكي نصل إلى الآخر، يجب أن نغادر دائرة الاجترار وأن نمتلك حرية معرفية تجعلنا نناقش قضايا الإنسان الكونية بلسان سعودي مبين.
في سياق هذه المحاولة للخروج إلى العالم، يبرز تحدٍّ خطير يهدد أصالة النص السعودي، وهو الوقوع في فخ "الاستشراق الذاتي" أو التنميط؛ حيث يعمد بعض الكتاب -بقصد أو دون قصد- إلى هندسة نصوصهم وفقًا للمشهد الذي يتخيله الغرب عنا، مكررين الصور المستهلكة كتسليع بدائية الصحراء، أو الترويج لسرديات الاضطهاد لضمان القبول السريع. إن الاشتغال الحقيقي يجب أن يقوم على أدب ونقد ذاتي مختلف، جديد، ومنفتح، يكسر طوق القوالب الجاهزة. وهذا ما يدعو إليه الناقد عبد الله الغذامي، الذي يحذر من سطوة الأنساق المضمرة، مؤكداً أن "النقد الثقافي يهدف إلى كشف العيوب النسقية التي توجد في الثقافة والسلوك"[3]، وليس مجرد الاحتفاء بالجمالي والشكلي. والمقصود هنا أن الثقافة الحية هي التي تمتلك شجاعة مساءلة نفسها، لأن الغرب لن يحترم ثقافة تقدم له ما يعرفه مسبقاً، بل يحترم الثقافة التي تفاجئه برؤية جديدة لا تخشى المكاشفة.
25 سبتمبر 2025
قراءة في مقال «الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟»
في مقال نُشر بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٥ في مجلة "النيويوركر" بعنوان "الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟"، يستعرض الكاتب دروف كولار التأثير الكبير الذي تحدثه نماذج اللغة الكبيرة LLMs في عالم الطب، مع تسليط الضوء على الفرص والمخاوف المصاحبة لهذه الثورة التكنولوجية.يبدأ المقال بقصة لافتة لـ "ماثيو ويليامز"، مهندس برمجيات عانى لسنوات من أعراض هضمية حادة فشل ٨ أطباء في تشخيصها بدقة. وبعد معاناة طويلة، لجأ إلى ChatGPT الذي تمكن في ثوانٍ من تحديد السبب المحتمل لمشكلته، وهو مركبات تسمى "الأكسالات Oxalate" لم يذكرها أي من أطبائه من قبل. هذه التجربة غيرت حياته وقناعاته:
"أثق بالذكاء الاصطناعي أكثر من الأطباء. ولا أعتقد أنني الوحيد في ذلك."
يشير المقال إلى أن الأخطاء التشخيصية في الولايات المتحدة وحدها تساهم في وفاة شخص من كل ١٠ أشخاص (أجد أن الرقم مبالغ فيه)، مما يبرز الحاجة الماسة لأدوات أكثر دقة.
لكن التكنولوجيا تأتي بآثارها الجانبية. فالمقلق هو تآكل المهارات البشرية، وهو ما عبر عنه طالب طب وكشف عن قلق مشروع في الأوساط الطبية:
"أنا قلق من أن هذه الأدوات ستؤدي إلى تآكل قدرتي على إجراء تشخيص مستقل."
يستعرض المقال التطور التاريخي للتشخيص الحاسوبي وصولاً إلى "CaBot"، وهو نموذج ذكاء اصطناعي متقدم من جامعة هارفارد وُضِع في مواجهة مباشرة مع طبيب خبير لتشخيص حالة معقدة، في تحدٍ يذكر بمباراة الشطرنج الشهيرة بين كاسباروف وحاسوب ديب بلو.
يطرح المقال في النهاية سؤالاً محورياً حول مستقبل مهنة الطب: كيف سيتغير دور الطبيب في عصر أصبحت فيه الآلة شريكاً تشخيصياً قوياً، وأحياناً أكثر بصيرة؟
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


