الخميس، 23 يونيو 2022

لا تقَعْ في حبّ أشخاصٍ مثلي - كيتلِن زيل

لا تقَعْ في حبِّ
أشخاصٍ مثلِي.
سنحبُّكَ بشدّةٍ، سنحولُّكَ
إلى حجَرٍ، إلى تمثالٍ
تأتي النّاسُ إليهِ لتتعجّبَ
منَ الجُهدِ الذي تطلّبَهُ
نحتُ نظرةِ عينيك الثاقبةِ.

لا تقَعْ في حبِّ
أشخاصٍ مِثلي.
سنأخذُكَ إلى المتاحفِ
إلى المتنزهاتِ والنُّصْبِ الخالدةِ،
سنطبعُ قبلةً على شفتيْكَ
قُربَ كلِّ مكانٍ جميلٍ،
فلا يمكنُكَ العودةُ إليهِ
دونَ أنْ تتذوقَنَا دمًا في فمِك. 

لا تقتربْ أكثرَ،
أمثالي كما القنابلِ
عندما يحينُ وقتُنَا،
سنرشُّ الخسارةَ على جدرانِك
بألوانٍ غاضبةٍ تجعلُكَ تتمنَّى
أنَّ بابَكَ لم يتعلَّمْ يومًا
أسماءَنا. 

موجز اللاشيء - شريف بُقْنه

"لا نستطيعُ تعريفَ شيءٍ إلَّا عندما لا نعرفُ أيَّ شيءٍ عنهُ." خورخي لويس بورخيس

١
في البَدءِ كانتِ الكلمةُ،
انسلخَ الزَّمنُ من ضلعِ المادةِ
واسْتُؤْنِفَ مهرجانُ الكونِ.
انشطاراتٌ، غبارٌ، لوثةٌ وأصباغٌ
أجرامٌ تُقذَفُ وغازاتٌ تفورُ
من حنجرةِ الوقتِ،
معادلاتُ الخلْقِ اِستوَتْ
ودارتْ عجلةُ التكوينِ.
٢
يحبسُني طيفٌ قطبيٌّ
أحاولُ التّسلُّلَ منهُ لاستعادةِ
ولو ومضةً قصيرةً منَ اللَّاشيءٍ
قبلَ أن تُلفَظَ الكلمةُ وتُشفَّرَ الألوانُ،
عندما كان الظَّلامُ ماكرًا مستبدًّا
والعدمُ غامضًا نرجسيًّا، والأصواتُ
جُذوعًا مصلوبةً على صدْرِ الصّمتِ.

٣
لماذا يجبُ أنْ يكونَ هناكَ شيءٌ
عوضًا عنِ اللَّاشيء، قدْ تكونُ
الأشياءُ ذهانَ أدمغتِنا وكلُّ شيءٍ
ليس كنايةَ خيرٍ أو شرٍّ؛
إنهُ لا شيءَ دونَ أنْ نفكّرَ فيهِ.
في المحصِّلةِ لا تَدينُ لنا الأيامُ
بشيءٍ، لا تدينُ بمكافأةٍ أو تفسيرٍ،
يا لهُ من ضياعٍ!
فيزياءُ تُرضِخُ كلَّ شيءٍ طواعيةً.

٤
الحياةُ ما يعسرُ علينَا فهمُهُ،
أيُّ جسارةٍ تعبُرُ بنا قادمَ الأيَّامِ!
يبخِّرُنا الزَّمنُ ونفنَى، تبقَى
السّرديةُ فتيَّةً على الدَّوامِ،
مِثلُ جنزيرٍ مَهيبٍ يدورُ
في دولابِ الحقيقةِ أو عقربٍ
لا يرهقُهُ الدّورانُ في ساعةِ الحائطِ.


٢٩ ابريل ٢٠٢٢

توقفتُ عنِ الذّهابِ لجلساتِ العلاجِ - كليمنتين فون راديكس

لأنَّني أدركتُ أنَّ مُعالجي
كان على حقٍّ، وأنّني
دائمًا ما أُصِرُّ على أخطائي،
أكرّرُ عاداتي السيئةَ،
مثلَ تعويذةٍ على سُواري.
لا أريدُ أن أكونَ شجاعةً.
أعتقدُ أنّني أُحبُّ عقلي أكثرَ
كلّما تعارك مع قلبي في الحانة.
أعتقدُ أنّني أُحبُّ نفسي منكسرةَ الجَناحِ ،
بحَوافٍ خشنةٍ، لا يمكنُ القبضُ عليها.
أحبُّ الشِّعرَ، على الأقلِّ
أكثرَ من جلساتِ العلاج.
القصائدُ لا تُطلِقُ أحكامًا عليَّ
كلّما تداويتُ على طريقتي الخاطئةِ.

_______________
ترجمة شريف بقنه 
* كليمنتين فون راديكس Clementine von Radics شاعرة ومحررة وكاتبة في العشرينات من العمر. تقيم في بورتلاند بولاية أوريغون الأمريكية. تتناول قصائدها تجربة المرأة، العلاقات الإنسانية والعلاقة مع الجسد، لا سيما الجسد المريض أو المعاق. نشرت مجموعتين شعريتين وحققت مبيعات تجاوزت المئة ألف نسخة. رُشحت ونالت عددًا من الجوائز.
I Stopped Going to Therapy from Mouthful of Forevers by Clementine von Radics, 2015 by Andrews McMeel Publishing

في مكانٍ ما لم أسافرْ إليهِ قط - إي إي كامينجز


في مكانٍ ما لم أسافرْ إليه قط، يفوقُ
أيَّ تجرِبةٍ عرفت، في عينيك صمتٌ جليلٌ:
في أوهنِ إيماءاتِك أشياءُ تطوّقُني،
لا أستطيعُ لمْسَها لأنّها قريبةٌ للغايةِ.

في أخفِّ زينتِك أشياءُ تُطْلِقني
بالرّغم أنّني أغلقتُ نفسي كالأصابعِ،
تنزعين بتلاتِ رُوحي وأتفتّحُ كما يتفتّح
الرَّبيعُ، تمَسّين (بمهارةٍ وغموضٍ) وردتَكِ الأولى.

ربّما لو رغبتي في إقفالي، سأغلقُ
أنا وحياتي بأجملِ صورةٍ، فجأةً،
كما لو يتخيلُ ميسَمُ هذه الوردةِ
ثلجًا يتساقطُ بعنايةٍ في كلِّ مكانٍ؛

لا شيءَ مما ندركهُ في هذا العالمِ
يساوي سطوةَ رقّتِكِ المتناهيةِ:
قوامُكِ يسافرُ بي إلى ألوانِ بلادِكِ،
ويمزجُ الموتَ والأبديةَ في كلِّ نفَسٍ.

(لا أعرفُ ما الذي فيكِ يتغلّقُ ويتفتّحُ
شيءٌ ما بداخلي فقط يعرفُ أنَّ
صوتَ عينيكِ أعمقُ من كلِّ الورودِ).
لا أحدَ، ولا حتى المطرُ، لديه مثلَ هاتينِ اليدينِ الصغيرتينِ.

_________________
ترجمة شريف بقنه 
إدوار إستلِن كامينجز E. E. Cummings أحد أهمّ الكتّاب التجريبيين والحداثيين في الشعر الأميركي. تعلّم لفترة في هارفارد أثناء الحرب العالمية الأولى، وخدم في الحرب كسائق إسعاف في الأراضي الفرنسية. عاش متنقّلًا بين فرنسا وأميركا ونشر خلال مسيرته ما يقرب العشرة كتب، وخلّف بعض اللوحات الفنية. نال التكريم من الأكاديمية الأميركية للشعر، كما نال عدداً من التشريفات والزمالات من مؤسسات أكاديمية وأدبية. (١٨٩٤ - ١٩٦٢)

صورةٌ حيّة - تريستا مطير


تجِيءُ جدَّتي بهاتفِها المحمولِ
وتقولُ: "انظري"،
فأجِدُ صورةَ كلبٍ
في خلفيّةِ قُفلِ الشَّاشةِ
كانتْ قد أزالتْهَا
قبلَ أشهرٍ قليلةٍ مضتْ،
وهَا هيَ الآنَ تضعُهَا مِن جديدٍ.

"اشتقتُ لهُ كثيرًا"، كما تقولُ.

تضغطُ بإصبعٍ على الصُّورةِ
فتعودُ الحياةُ إليها لما يقربُ مِن
ثلاثِ ثوانٍ، وتقولُ:
"انظري.. كمَا لو أنَّهُ يتنفّسُ مِنْ جديدٍ"
أتساءَلُ ما إذا كانَ أحدُهُمْ يومًا مَا،
سيفعلُ ذلك في صورةٍ تخصُّنِي
________________
ترجمة شريف بقنه
* تريستا مطير شاعرة أمريكية معاصرة، كاتبة وفنانّة بصرية. فازت بجائزة اختيار جود ريدز للشعر ٢٠١٥.
"Live Photo" from girl, isolated: poems, notes on healing, etc. by Trista Mateer, Kindle Edition 2021

أكاذيبُ حول مخلوقاتٍ بحرية - آدا ليمون


لقدْ كذَبْتُ بشأنِ رؤيتي للحيتانِ. تلك الكائناتُ الخياليةُ
التي تقطُنُ المياهَ الزرقاءَ، وتئِنُّ ببطءٍ على السّاحلِ.
لم أرَهَا قطُّ، ولا مرّةً واحدةً في تلكَ السّنةِ المتجمّدةِ.
بالتأكيدِ، رأيتُ طيورَ الأطيشِ البيضاءَ تضربُ الأمواجَ المتلاطمةَ حتَّى كادتْ تُحدِثُ ثقبًا مبهرجًا.
لكنّني كنتُ أعلمُ أنَّها لنْ تفعلَ ذلك. في بعضِ الأحيانِ،
يرغبُ المرءُ بشيءٍ صعبٍ للغايةِ لدرجةِ أن يكذبَ بشأنِهِ،
حتّى يتمكّنَ منَ الاحتفاظِ بهِ في فَمِهِ ولو لدقيقةٍ، للجوعِ الحقيقيِّ طعمٌ حقيقيٌّ. شخصٌ ما أخبرني مرّةً
أنّ طيورَ الأطيشِ، تلك الطيورُ البحريةُ الشرهةُ
القادمة من صقيعِ الشَّمالِ الأطلسي، تصبحُ عمياءَ
بسببِ غطستِهَا السريعةِ من عُلُوٍّ، لكنَّ ذلك أيضًا كذبٌ. الأطيشُ لا تصابُ بالعمَى أبدًا، وبالتأكيدِ لنْ تموتَ أبدًا.

__________________
ترجمة شريف بقنه 
*آدا ليمون Ada Limón كاتبة وشاعرة أمريكية. حصلت على العديد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية للشعر ٢٠١٨ (١٩٧٦-)
* طيور الأطيش أو الأخرق gannets وهي طيور بحرية متوسطة الحجم، ولديها أجنحة طويلة وأقدام ملوّنة. اكتسبت اسمها لأنها بطبيعتها طيور أليفة تحطّ على متن السفن المُبحرة ومن السهل القبض عليها.
"Lies About Sea Creatures" from Bright Dead Things by Ada Limon, 2015 by Milkweed Editions

الحقيقة - ناتاشا راو

أنا لطيفةٌ مع أبي في القصائدِ
الّتي لنْ يقرأَها أبدًا.

أُحاولُ أن أتصوَّرَهُ صغيرًا
بالطّريقةِ الّتي تحكيها جدَّتي:

رشيقٌ حليمٌ يتمعّنُ في
الأحداثِ، وكلُّ ما يرغبُ به

إصبعُ توبليرون* يتناولُهُ في
عيدِ ميلادِهِ، وحيدًا في غُرفتِهِ

بعيدًا عن عترسةِ العواصفِ،
وصيْفِ «مِدْراس*» عديمِ الرّحمةِ.

أتساءَلُ عمَّا إذا كان فخورًا
بحياتِهِ مثلمَا أنا فخورةٌ

بقصائدِي -أفضلُ ما يمكنُنَا
القيامُ بهِ-. في عالمٍ آخرَ

أودُّ أنْ أنزلَ الدّرَجَ، إلى
حيثُ كانَ أبي يجلسُ وحيدًا

مع كأسِ نبيذٍ، أودُّ أنْ أقولَ لهُ
أنا آسفةٌ. ولكنَّنِي امرأةٌ

وأبِي رجَلٌ؛ وأشعرُ بالخجلِ
عندَ الوقوفِ أمامَهُ.

بطريقةٍ مَا، مِنَ الأسهلِ قوْلُ إنَّنِي
أكرهُ العزفَ على البيانو في الصَّباحِ

على أنْ أقولَ إنَّنِي أحبُّ الطريقةَ
الّتي تُقلّبُ بها صفحاتِ النُّوتةِ لِي.

أتململُ منَ الاستيقاظِ كلَّ صباحٍ لفتحِ
السّتائرِ للضَّوءِ السَّاطعِ، لكنَّني أُحبُّ

يديكَ البارعتينِ كلَّما مسحَتَا
عنْ جبهتي بقايَا حُلْمٍ عابرٍ.

__________________
ترجمة شريف بقنه
* ناتاشا راو Natasha Rao شاعرة أمريكية معاصرة من أصول هندية، تعيش في نيويورك. نشرت كتابها لاتيتيود Latitude العام ٢٠٢١، كما نشرت في عدد الدوريات الأدبية منها أمريكان بويتري ريفيو، ييل ريفيو و نيشن.
* توبليرون Toblerone وهي علامة تجارية للوح شوكولاتة سويسرية، اُبتكرت العام ١٩٠٨ ولاتزال تُنتج حتى الآن.
* مَدْراس Madras وتُعرف أيضًا بتشيناي وهي عاصمة ولاية تاميل نادو الهنديَّة، تَقع على ساحل خليج البنغال، وتعتبر أكبر مَركَز ثقافي واقتصادي وتعليمي في جنوب الهند. أُسست في عام ١٦٦١ من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية.
* "The truth" by Natasha Rao from Narrative Magazine, 2019-2020 poem of the week.

الخميس، 10 فبراير 2022

كيف أذهبُ إلى الغابة - ماري أوليفر

 
في العادةِ، أذهبُ إلى الغابةِ بمفردي، دونَ الأصدقاءِ، لأنّهم جميعًا مبتسمون، ثرثارون، ولهذا لا يصلحون.
لا أريدُ لأحدِهِم أن يراني أتحدثُ إلى العصافيرِ المُوَّاءة** أو أعانقُ شجرةَ البلّوطِ الأسودِ العتيقةَ. لدي طريقتي في الصّلاةِ، ولديك طريقتُك بالتأكيد.

علاوةً على ذلك، عندما أكونُ وحدي يُمكنُنِي أنْ أستحيلَ غيرَ مرئيّةٍ. يمكنُني الجلوسَ على كثيبٍ رمليٍّ بلا حراكٍ، كما العشبةِ النابتة، تجري الثعالبُ غيرَ مكترثةٍ حولَها. يمكنُني سماعَ غناءِ الزّهورِ الصامتة.
إنْ كنتَ قد ذهبتَ معي إلى الغابةِ في أيّ وقتٍ مضى، فلابدّ وأنني جدًّا أحبّك.
_____________________
* ترجمة شريف بُقنه
ماري أوليفر Mary Oliver شاعرة وكاتبة وروائية أمريكية ( ١٩٣٥-٢٠١٩ ). حازت العديد من الجوائز؛ مثل جائزة بوليتزر عن فئة الشعر ١٩٨٤ وجائزة الكتاب الوطني للشعر ١٩٩٢.

** catbirds
"How I go to the woods" from Swan: Poems and Prose Poems by Mary Oliver, 2010 by Beacon Press