‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال فلسفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال فلسفي. إظهار كافة الرسائل

06 نوفمبر 2026

لاتصب هدفك

لاتصب هدفك - مقال

حين نقول «أنقذتني الكتابة»، فإننا نقول شيئًا عن الحياة قبل أن نقول شيئًا عن الكتابة نفسها. نعترف بأن وقتًا من عمرنا كان أثقل من قدرتنا على احتماله، وأننا وجدنا في هذا الفعل ما أعاننا على البقاء. قد يفعل الرسم أو التصوير الشيء نفسه؛ يمنحنا عملًا نلوذ به حين لا نجد سببًا آخر لانتظار الغد. لكن هل تعني قدرتنا على احتمال الحياة أننا عرفنا كيف نعيشها؟ قد نكون ممتنّين لِما صرفنا عن ألمنا، ثم نكتشف أننا لا نتقن العيش من دونه. هنا تبدأ حيرتي: هل يعني العيش مجرد العثور على أي شاغلٍ يطوي أيامنا كي نرضى بعبورها؟ سأقارب هذا السؤال عبر الكتابة، لأنها الأقرب إليّ، ولأن ما نحبّه يستحق فهم علاقتنا به، لا سيما حين نأتمنه على هذا القدر من أعمارنا. قد يتلاشى ثقل الوقت ونحن نكتب دون أن تتبيّن لنا غايةٌ مما نفعل، وقد ننصرف إلى عمل يرهقنا ولا يبعث فينا الطمأنينة. ليس لزامًا بالطبع أن نطالب كل انشغالٍ بتقديم «معنًى» أسمى للوجود، لكنّ ثمة فرقًا جوهريًا بين أن يكون الفعل اشتباكًا حيًّا مع التجربة، وأن يُتّخذ مجرد مخدّرٍ نفرّ به من الفراغ؛ فقد نفلح في تبديد يومنا سريعًا، غير أن الحيرة تباغتنا متى ما تأملنا هذه الرغبة المحمومة في استعجال انقضاء أعمارنا.
تشتدّ وطأة الحياة حين يجتمع ألمها بانطفاء الرغبة في كل شيء. يصبح الوقت المتاح عبئًا، ويغدو الهدوء مساحةً لاستعادة ما يؤذينا. قد يخلو يوم المرء من الالتزامات ويكون راضيًا، وقد يزدحم بالأعمال هربًا من ثقل الساعات الفارغة من غير أن يجد فيها ما يعنيه. تبدأ الكتابة أحيانًا من قلب هذا الانطفاء: نختار كلمة، ونحذف أخرى، ونعيد ترتيب واقعةٍ بعثرَنا وقوعُها. ربما لا يتجاوز أثر ذلك عبورَ مساءٍ صعب، وهذا وحده يستحق الاعتبار؛ فالمواساة قيمة أصيلة، حتى إن لم تفضِ إلى اكتشاف كبير أو أثرٍ باقٍ. لكنّ مقدار ما نطلبه من الفعل يغيّر طبيعة مساءلتنا له. يكفي الكتابة، بوصفها عزاءً، أن تخفّف ألمنا؛ أما إذا علّقنا عليها تفسير وجودنا بأسره، فلا مناص من السؤال عمّا تمنحنا إياه، وعمّا نتركه خلفنا من أجلها.
يضع بليز باسكال هذه الطمأنينة موضع الشك حين يتأمل مفهوم «التلهّي». يستطيع الإنسان أن يقضي نهاره لاهثًا وراء أرنبٍ لا يرغب أصلًا في شرائه؛ فما يشدّه هو الحركة التي تصرفه عن التفكير في هشاشته وحتمية موته. يكتب: «إنهم لا يعرفون أن ما يطلبونه هو المطاردة، لا الطريدة».¹ ينتمي هذا التشخيص إلى رؤية باسكال الدينية لبؤس الإنسان بمعزل عن الخالق، لكنه يفتح بابًا لسؤال يصعب حصره في ميادين الصيد أو اللعب. قد نسمّي انشغالنا طموحًا أو إبداعًا، بينما نتخذه مهربًا لنتجنب ما يتكشّف لنا متى توقفنا. يغدو السؤال أشدّ إرباكًا حين يتصل بالكتابة: هل أريد إنجاز النص وحده، أم أطلب أيضًا استمرار الانشغال بكتابته؟ قد تتداخل الرغبتان في غمرة العمل، ويكشف الفراغ بعد اكتماله مقدار ما كنّا نعوّل على هذا الانشغال. لا يلغي هذا الفراغ قيمة المنجز، لكنه يكشف أن إنجاز العمل لم يحقق كل ما علّقناه عليه من آمال. قد يكتمل النص، ويبقى التساؤل الذي فررنا منه قائمًا. مع ذلك، لا تختزل الرغبة التي بدأنا بها العمل كل ما يمكن أن يصير إليه؛ فقد نكتب سعيًا للهدوء، ثم نكتشف في الكتابة ما يبدّل فهمنا لتجربتنا. أحيانًا يكون الابتعاد عن التجربة ملاذًا مؤقتًا نستردّ به قدرتنا على المواجهة، وربما يتحول إلى هروب دائم يرتّب حياتنا على مقاس التجنّب.

18 سبتمبر 2026

فخ السيولة: هل نحتاج إلى شيء من الثبات؟

 

«أن نفكّر يعني، إذن، أن نكتشف ونبتكر إمكانات جديدة للحياة»¹. يكتب جيل دولوز هذه العبارة في قراءته لنيتشه، وأجد فيها سببًا وجيهًا للاهتمام بفلسفته. ثمة وعدٌ يستحق التأمل هنا: أن يساعدنا الفكر على اكتشاف ما نستطيع أن نعيشه، وأن يجعلنا نرى احتمالات حجبتها عنّا العادة أو الخوف أو التسليم بأن الأشياء لا يمكن أن تكون إلا كما عرفناها. تعجبني هذه الصلة بين التفكير والحياة، لكنها تجعلني أكثر رغبةً في مساءلة المفاهيم، وفي معرفة ما تضيفه فعلًا إلى قدرتنا على الفهم والاختيار. لقد زعزع نيتشه الاعتقاد بأزلية القيم، وسأل عن الظروف والقوى التي أسهمت في تشكيلها. يهمّني هنا ذلك الارتياب الصحي في ما نقدّمه لأنفسنا على أنه ثابت ونهائي، وقدرتنا على نسيان التاريخ الذي صنعه؛ فإدراكنا لتغيّر القيم لا ينبغي أن يجرّنا إلى عدمية باردة تتساوى فيها الأشياء ويفقد الاختيار معناه، بل يجب أن يدفعنا إلى مراجعة ما حسبناه يومًا من المسلّمات. 
من هذه الزاوية، أجد في مفهوم «الجذمور»، الذي طوّره دولوز مع فيليكس غوتاري، صدى لأثر نيتشه، وخصوصًا في أفكار التعدد والصيرورة والاختلاف. يقدّم الجذمور صورةً لفكر يتشعّب في اتجاهات متعددة، وتتكوّن روابطه دون أن تنتظم تحت أصل واحد أو مركز مهيمن. إنها صورة تشبه حياتنا التي لا تسير دائمًا بالترتيب الصارم الذي نضعه لها، بل تتخلّق غالبًا من مصادفات واشتباكات لم نخطّط لها. غير أن جاذبية هذه الاستعارة تترك عندي سؤالًا حقيقيًا عن قدرتها على تفسير الواقع، وعن الحدّ الذي تتحوّل عنده من أداة تساعدنا على الفهم، إلى قناع فضفاض نوسّعه ليشمل كل شيء.