نحن نحب الحرية، أو هكذا نظن. نضيق ذرعًا بمن يقرر عنا، ونقاوم ما ينتقص من قدرتنا على الاختيار، لكن شيئًا يتبدل حين تصبح الحرية بين أيدينا: نتردد، ونبحث عمن يطمئننا إلى صواب ما فعلنا، وأحيانًا عمن يختار نيابة عنا. كأننا نشتهي الحرية ما دامت بابًا مغلقًا نطالب بفتحه، ثم نكتشف، حين يُشرع أمامنا، أن علينا أن نقرر بأنفسنا الوجهة التي نمضي إليها. ربما لأننا اعتدنا النظر إلى الحرية من زاوية واحدة؛ فنراها محض تحرر من القيود، ونغفل عما تضعه على عواتقنا من مسؤولية. فالاختيار لا ينتهي لحظة اتخاذ القرار، بل يبتدئ منها؛ إذ أن تختار يعني أن تتعايش مع ما اخترته، وأن تتحمل نصيبك مما يترتب عليه، وأن تتجرد من رفاهية تعليق مآلات حياتك على مشجب الظروف أو المجتمع أو الآخرين. هنا يتجلى الوجه الأقل إغراءً للحرية: أنها تمنحنا حق الاختيار، لكنها تنتزع منا في المقابل عذرًا مريحًا. ربما لهذا يبدو الانقياد، على ما فيه من تنازل، جذابًا أحيانًا؛ فمن يترك للآخرين تحديد مساره، يحتفظ دائمًا بعزاء أخير: أنه لم يكن يوماً صاحب القرار.
في مقاربات مارتن هايدغر، يسقط الإنسان في الوجود غير الأصيل حين يتنازل، من حيث لا يشعر، عن كينونته المتفردة لصالح سلطة الـ«هم» المجهولة؛ فيفكر كما يفكر الناس، ويرغب فيما يرغبون فيه، ويخاف مما يخافونه، ويقيس نجاحه وفشله بالمقاييس التي وجدها جاهزة قبل أن يسأل نفسه إن كانت تعنيه أصلًا. لا أحد يأمره بذلك صراحة، وهذه تحديدًا هي براعة القيد: أن يتحول إلى عادة، ثم إلى بداهة، ثم ننسى أنه قيد. وليس في هذا بالضرورة ما يبرر النظر إلى الجماعة بازدراء أو الاحتفاء بالفرد بوصفه كائنًا متفوقًا عليها؛ فالإنسان لا يذوب في محيطه لنقص في الذكاء أو الشجاعة، وإنما لأن الانتماء يمنحه ما لا تمنحه الحرية بسهولة: الطمأنينة والكسل. ففي الإجماع راحة من مشقة الشك، وفي المألوف إعفاء من عناء الاختيار، وفي محاكاة الآخرين نجاة مؤقتة من السؤال الأكثر إرباكًا: ما الذي أريده أنا؟
حين يهدأ ضجيج العالم قليلًا ولا يبقى جمهور نؤدي أمامه أدوارنا، قد نكتشف أن الصمت ليس هادئًا كما نظن. تظهر أسئلة نجيد تأجيلها بالثرثرة والركض اليومي والانغماس في عالم رأسمالي استهلاكي لا يكف عن استدراج انتباهنا: من أكون إذا نزعت عن نفسي مهنتي واسمي الاجتماعي وكل ما راكمته من ألقاب ومكانة؟ هل الأشياء التي سعيت إليها طويلًا كانت رغباتي حقًا، أم أنني تعلمت مع الوقت أن أرغب فيها؟ وهل الحياة التي أعيشها الآن تشبهني فعلًا، أم أنني فقط أصبحت بارعًا في التكيف معها؟ ربما لهذا لا يكون الفراغ مجرد ملل؛ ففي غياب ما يشتت انتباهنا، تستعيد الأسئلة المؤجلة حضورها، ويصبح الإنسان أقرب إلى مواجهة نفسه مما يرغب. إريك فروم التقط هذه المفارقة حين رأى أن الإنسان الحديث، بعدما تحرر تدريجيًا من كثير من القيود التي كانت تحدد له سلفًا، وجد نفسه أمام مأزق لم يكن متوقعًا: ماذا يفعل بكل هذه الحرية؟ فالحرية لا تأتي ومعها إجابات، ولا تخبر الإنسان بما يستحق أن يختاره أو بأي حياة ينبغي أن يرضى. وكلما اتسعت أمامه الخيارات، صار مطالبًا بأن يقرر بنفسه، وأن يتحمل تبعة قراره، وأن يعيش من دون ذلك اليقين المريح الذي توفره الإجابات الجاهزة. وهنا يصبح الرجوع إلى الجماعة مغريًا؛ جماعة تمنحه هوية واضحة، أو سلطة ترسم له الطريق، بل وربما عقيدة تريحه من إعادة النظر في كل شيء. لذلك قد يتنازل الإنسان عن جزء من حريته لا لأن أحدًا انتزعها منه، بل لأن التمسك بها صار أثقل مما توقع.
لا ينبغي أن نتعامل مع القطيع كما لو أن المسألة مواجهة بسيطة بين جماعة مذعنة وفرد حر. لا أحد يتشكل وحده؛ نحن نرث اللغة والقيم والعادات وصور النجاح والفشل قبل أن نملك القدرة على مساءلتها أصلًا، ونكتشف أنفسنا من خلال عالم سبقنا بوقت طويل. المعضلة ليست في أن المجتمع يترك أثره فينا، فهذا جزء من تكويننا، وإنما في أن نعيش ذلك الأثر من غير أن ننتبه إليه؛ أن نحسب الموروث اختيارًا، والعادة رغبة، وما اعتدناه حقيقة لا تستحق السؤال. وربما لا تبدأ الحرية بالخروج من الجماعة، بل بتلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان أمام شيء ظل يفعله أو يؤمن به سنوات ويسأل، بجدية هذه المرة: هل هذا ما أريده أنا، أم أنني مضيت فيه فقط لأن الطريق كان مرسومًا قَبلي؟ غالبًا لا نصل إلى لحظات الانكشاف هذه بتأمل هادئ أو قرار واعٍ؛ فالحياة تفاجئنا أحيانًا بما يخلخل انتظامها المألوف: موت يمر قريبًا منا، مرض، خسارة، حب ينتهي، ابن يغادر البيت، مهنة كانت تملأ حياتنا ثم تفقد معناها، أو مجرد تلك اللحظة الغامضة في منتصف العمر حين ينظر المرء إلى ما جمعه وإلى ما تبقى له، فيكتشف أن الزمن لم يكن مفهومًا فلسفيًا كما كان يتوهم، بل شيئًا ينفد فعلًا طوال السنوات. في مثل هذه اللحظات تتصدع بعض الأدوار التي احتمينا بها، ويظهر سؤال لم يكن ملحًا من قبل: هل كانت هذه حياتي حقًا، أم أنني كنت منشغلًا فقط بإدارتها؟ وربما لهذا تكون الأزمات الوجودية مؤلمة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تضيف سؤالًا جديدًا إلى حياتنا، بل تكشف السؤال القديم الذي كنا نهرب منه.
غير أن النجاة من يقين الجماعة لا تعني النجاة من الوهم. ثمة من يستبدل إجابات المجتمع بإجابات الكتب، ويستبدل عقيدة بأخرى، ثم يظن أنه تحرر لمجرد أن مفرداته أصبحت أكثر تعقيدًا. نحن بارعون في بناء أقفاص فكرية أنيقة، وربما كانت أكثر خطورة لأنها تبدو، من الداخل، كأنها فضاءات مفتوحة. الوعي نفسه يمكن أن يتحول إلى قناع، والثقافة إلى زهو، والفلسفة إلى طريقة أكثر رفعة في تجنب مواجهة الذات. وليس كل من يشك قد تحرر، كما أن كثرة الأسئلة لا تعني بالضرورة أن صاحبها خرج من السرديات التي صنعت وعيه؛ فقد يكون الإنسان أسير شكه كما يكون غيره أسير يقينه. من هنا يعود سؤال الإرادة الحرة: إلى أي حد نملك حرية الاختيار أصلًا؟ لا أظن أننا نملك إرادة حرة بالمعنى المجرد؛ إرادة تقف خارج تاريخنا وأجسادنا وتربيتنا والظروف التي صنعت جانبًا كبيرًا من وعينا ورغباتنا. نحن لم نختر أجسادنا، ولا آباءنا، ولا زمن ولادتنا، ولا اللغة الأولى التي تشكل بها وعينا، ولا المجتمع الذي استقبلنا، ولا كثيرًا من المخاوف والرغبات التي تسكننا قبل أن نفهم مصدرها. لقد وجدنا أنفسنا، بتعبير هايدغر، مقذوفين في عالم كان موجودًا قبلنا، ولم يكن لنا رأي في كثير مما بدأنا به حياتنا. لذلك تبدو لي الحرية أكثر تواضعًا مما نحب أن نتصور: قد لا نملك أن نختار الخيارات التي تضعها الحياة أمامنا، لكننا نملك، بدرجات متفاوتة، أن نختار بينها. وهذه المساحة المحدودة لا تجعلنا أحرارًا بالمعنى المطلق، لكنها تكفي لكي يبقى السؤال عن مسؤوليتنا قائمًا.
يقود هذا الهامش المحدود من الاختيار إلى مفهوم سارتر الشهير «سوء النية» (mauvaise foi)، وإن كانت الترجمة قد توحي بمعنى أخلاقي لا يقصده المصطلح تمامًا. فالمسألة عند سارتر أقرب إلى خداع الإنسان لنفسه حين يتعامل مع ظروفه وأدواره كما لو أنها تحدد، بصورة نهائية، ما يستطيع أن يكونه وما يستطيع فعله. نقول: لم يكن أمامي خيار، أنا هكذا، المجتمع أراد ذلك، الظروف صنعتني. وفي هذه العبارات شيء من الحقيقة؛ فنحن، كما سبق، لا نختار نقطة البداية ولا معظم الشروط التي ترسم حدود الممكن أمامنا. لكن الاعتراف بهذه الحدود يختلف عن استخدامها ذريعةً لإنكار ما بقي لنا من قدرة على الاختيار. وربما هنا تحديدًا تكمن مسؤوليتنا: ليست مسؤولية عن كل ما حدث لنا، ولا عن جميع الطرق التي فُتحت أو أُغلقت أمامنا، وإنما عن اختياراتنا داخل المساحة التي أتيحت لنا.
الحديث عن الحرية يصبح سهلًا ومترفًا إذا تجاهل الشروط الفعلية التي يعيش داخلها الإنسان. أجسادنا وأسرنا ووظائفنا وطبقاتنا وسياقاتنا الثقافية والسياسية ليست تفاصيل هامشية يمكن للفلسفة أن تزيحها جانبًا ثم تطلب منا أن نكون أنفسنا. نحن نعيش داخل أنساق تحدد مسبقًا قدرًا كبيرًا مما يُعد نجاحًا أو فشلًا، وفي اقتصادٍ تجاوز بالكفاءة والإنتاجية حدود العمل ليجعلها مقاييس لقيمتنا الشخصية، حتى صار التوقف خطيئة تشعرنا بالتقصير، والبطء ذنباً نلام عليه. المفارقة أن السوق الذي يستنزف الإنسان في سباق الإنجاز يعود فيقدم له الراحة نفسها بوصفها سلعة: إجازة يشتريها، تجربة يستهلكها، أو وسيلة أخرى تعده بأن يستعيد بها شيئًا مما استنزفه سعيه المستمر إلى مزيد من الإنتاج. تقف الجماعات والأيديولوجيات، كل منها يعرض تفسيرًا جاهزًا للعالم ويمنح أتباعه شيئًا من اليقين. عند هذه النقطة تفقد عبارة كن نفسك بساطتها: أي نفس نقصد، وكم بقي فيها مما نستطيع أن ننسبه بثقة إلى اختيارنا؟
لست مستثنى من شيء مما أصفه هنا. أعرف راحة المألوف، وأعرف كيف يمكن للمرء أن يؤجل سؤالًا لأنه يدرك أن الإجابة الصادقة قد تربك أشياء استقرت في حياته طويلًا. وربما كانت الكتابة نفسها إحدى الطرق التي أحاول بها أن أختبر المسافة بين الحياة التي أعيشها والحياة التي أظن أنني اخترتها. لكن الوعي بذلك لا يمنحني حصانة منه؛ فقد نفهم بعض القيود التي صنعتنا ونظل خاضعين لها، وقد نعرف مصدر رغبة ما من دون أن تزول الرغبة. حتى بحثنا عن المعنى يمكن النظر إليه من هذه الزاوية: الإنسان لا يكتفي بأن تقع الأشياء، بل يحتاج إلى أن يفهمها، وأن يصل ما تفرق منها داخل قصة تمنح تجربته شيئًا من التماسك. هكذا نبني تفسيراتنا للحياة ونرتب ذاكرتنا ونمنح ما حدث لنا سياقًا يمكن فهمه. الخطر يبدأ حين ننسى أن بعض هذه التفسيرات قابل للمراجعة، فنمنحها من الثبات ما يجعلنا أسرى لها بدلًا من أن تساعدنا على فهم أنفسنا.
الحرية، بهذا المعنى، لا يمكن أن تكون تحررًا من كل شيء. لا أحد يبدأ من الصفر، ولا أحد يستطيع أن يخلع تاريخه وثقافته وذاكرته وجسده ثم يعيد تركيب نفسه كما يشاء. ربما تكون الحرية، في صورتها الأقل بطولية والأكثر واقعية، أن نعرف شيئًا مما يحركنا؛ أن نفرق، قدر الإمكان، بين ما اخترناه وما ورثناه، وبين رغبات خرجت من تجربتنا ورغبات تسللت إلينا حتى حسبناها لنا، وبين قناعة صمدت بعد السؤال وأخرى بقيت فقط لأننا لم نضعها موضع السؤال قط. ولعل محاولة التمييز هذه بين ما اخترناه وما ورثناه، تحيلني إلى صياغة استعرتُ جوهرها من سعيد ناشيد في حديثه عن «معيقات المقدرة على الحياة». فمنذ القديم، والفلسفة تحاول تسمية هذا العائق الخفي؛ فكان الجهل عند سقراط، والخوف عند الإبيقوريين، والتذمر عند الرواقيين، ، والأهواء الحزينة عند سبينوزا وغرائز الانحطاط عند نيتشه (إلى آخر القائمة). الأسماء كثيرة والمذاهب مختلفة، لكنها بمجملها تدور حول سؤال يمس عصب هذه المقالة: ما الذي يعوق قدرة الإنسان على أن يعيش حياته كما يريد، ولماذا يساهم أحيانًا في صنع القيود التي يشكو منها؟
لعل مأزقنا الأعمق أننا لا نجهل الحرية بقدر ما نخشى ثمنها. فهي لا تعدنا بالسعادة، ولا تمنحنا اليقين، وقد لا تجعلنا أكثر نجاحًا أو قبولًا، لكنها تقلل، كلما أخذناها بجدية، من قدرتنا على الاختباء وراء الآخرين. عندها نفهم شيئًا من إغراء العودة إلى الأدوار المألوفة والطرق التي ازدحمت بالسائرين قبلنا: هناك دائمًا من سبقنا إلى اختيار الطريق، وهناك دائمًا ما يمكن أن نعزو إليه ما انتهينا إليه. أما حين يبقى الاختيار لنا، ولو ضمن حدود ضيقة، فإن السؤال يصبح شخصيًا على نحو يصعب التهرب منه: إذا لم يعد أحد يختار عني، فماذا سأفعل بهذه الحياة؟.
د. شريف بقنه
٢٠٢٦/٩/٣
