04 سبتمبر 2026

الحياة التي لم نخترها تمامًا

نحن نحب الحرية، أو هكذا نظن. نضيق ذرعًا بمن يقرر عنا، ونقاوم ما ينتقص من قدرتنا على الاختيار، لكن شيئًا يتبدل حين تصبح الحرية بين أيدينا: نتردد، ونبحث عمن يطمئننا إلى صواب ما فعلنا، وأحيانًا عمن يختار نيابة عنا. كأننا نشتهي الحرية ما دامت بابًا مغلقًا نطالب بفتحه، ثم نكتشف، حين يُشرع أمامنا، أن علينا أن نقرر بأنفسنا الوجهة التي نمضي إليها. ربما لأننا اعتدنا النظر إلى الحرية من زاوية واحدة؛ فنراها محض تحرر من القيود، ونغفل عما تضعه على عواتقنا من مسؤولية. فالاختيار لا ينتهي لحظة اتخاذ القرار، بل يبتدئ منها؛ إذ أن تختار يعني أن تتعايش مع ما اخترته، وأن تتحمل نصيبك مما يترتب عليه، وأن تتجرد من رفاهية تعليق مآلات حياتك على مشجب الظروف أو المجتمع أو الآخرين. هنا يتجلى الوجه الأقل إغراءً للحرية: أنها تمنحنا حق الاختيار، لكنها تنتزع منا في المقابل عذرًا مريحًا. ربما لهذا يبدو الانقياد، على ما فيه من تنازل، جذابًا أحيانًا؛ فمن يترك للآخرين تحديد مساره، يحتفظ دائمًا بعزاء أخير: أنه لم يكن يوماً صاحب القرار.
في مقاربات مارتن هايدغر، يسقط الإنسان في الوجود غير الأصيل حين يتنازل، من حيث لا يشعر، عن كينونته المتفردة لصالح سلطة الـ«هم» المجهولة؛ فيفكر كما يفكر الناس، ويرغب فيما يرغبون فيه، ويخاف مما يخافونه، ويقيس نجاحه وفشله بالمقاييس التي وجدها جاهزة قبل أن يسأل نفسه إن كانت تعنيه أصلًا. لا أحد يأمره بذلك صراحة، وهذه تحديدًا هي براعة القيد: أن يتحول إلى عادة، ثم إلى بداهة، ثم ننسى أنه قيد. وليس في هذا بالضرورة ما يبرر النظر إلى الجماعة بازدراء أو الاحتفاء بالفرد بوصفه كائنًا متفوقًا عليها؛ فالإنسان لا يذوب في محيطه لنقص في الذكاء أو الشجاعة، وإنما لأن الانتماء يمنحه ما لا تمنحه الحرية بسهولة: الطمأنينة والكسل. ففي الإجماع راحة من مشقة الشك، وفي المألوف إعفاء من عناء الاختيار، وفي محاكاة الآخرين نجاة مؤقتة من السؤال الأكثر إرباكًا: ما الذي أريده أنا؟
حين يهدأ ضجيج العالم قليلًا ولا يبقى جمهور نؤدي أمامه أدوارنا، قد نكتشف أن الصمت ليس هادئًا كما نظن. تظهر أسئلة نجيد تأجيلها بالثرثرة والركض اليومي والانغماس في عالم رأسمالي استهلاكي لا يكف عن استدراج انتباهنا: من أكون إذا نزعت عن نفسي مهنتي واسمي الاجتماعي وكل ما راكمته من ألقاب ومكانة؟ هل الأشياء التي سعيت إليها طويلًا كانت رغباتي حقًا، أم أنني تعلمت مع الوقت أن أرغب فيها؟ وهل الحياة التي أعيشها الآن تشبهني فعلًا، أم أنني فقط أصبحت بارعًا في التكيف معها؟ ربما لهذا لا يكون الفراغ مجرد ملل؛ ففي غياب ما يشتت انتباهنا، تستعيد الأسئلة المؤجلة حضورها، ويصبح الإنسان أقرب إلى مواجهة نفسه مما يرغب. إريك فروم التقط هذه المفارقة حين رأى أن الإنسان الحديث، بعدما تحرر تدريجيًا من كثير من القيود التي كانت تحدد له سلفًا، وجد نفسه أمام مأزق لم يكن متوقعًا: ماذا يفعل بكل هذه الحرية؟ فالحرية لا تأتي ومعها إجابات، ولا تخبر الإنسان بما يستحق أن يختاره أو بأي حياة ينبغي أن يرضى. وكلما اتسعت أمامه الخيارات، صار مطالبًا بأن يقرر بنفسه، وأن يتحمل تبعة قراره، وأن يعيش من دون ذلك اليقين المريح الذي توفره الإجابات الجاهزة. وهنا يصبح الرجوع إلى الجماعة مغريًا؛ جماعة تمنحه هوية واضحة، أو سلطة ترسم له الطريق، بل وربما عقيدة تريحه من إعادة النظر في كل شيء. لذلك قد يتنازل الإنسان عن جزء من حريته لا لأن أحدًا انتزعها منه، بل لأن التمسك بها صار أثقل مما توقع.
لا ينبغي أن نتعامل مع القطيع كما لو أن المسألة مواجهة بسيطة بين جماعة مذعنة وفرد حر. لا أحد يتشكل وحده؛ نحن نرث اللغة والقيم والعادات وصور النجاح والفشل قبل أن نملك القدرة على مساءلتها أصلًا، ونكتشف أنفسنا من خلال عالم سبقنا بوقت طويل. المعضلة ليست في أن المجتمع يترك أثره فينا، فهذا جزء من تكويننا، وإنما في أن نعيش ذلك الأثر من غير أن ننتبه إليه؛ أن نحسب الموروث اختيارًا، والعادة رغبة، وما اعتدناه حقيقة لا تستحق السؤال. وربما لا تبدأ الحرية بالخروج من الجماعة، بل بتلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان أمام شيء ظل يفعله أو يؤمن به سنوات ويسأل، بجدية هذه المرة: هل هذا ما أريده أنا، أم أنني مضيت فيه فقط لأن الطريق كان مرسومًا قَبلي؟ غالبًا لا نصل إلى لحظات الانكشاف هذه بتأمل هادئ أو قرار واعٍ؛ فالحياة تفاجئنا أحيانًا بما يخلخل انتظامها المألوف: موت يمر قريبًا منا، مرض، خسارة، حب ينتهي، ابن يغادر البيت، مهنة كانت تملأ حياتنا ثم تفقد معناها، أو مجرد تلك اللحظة الغامضة في منتصف العمر حين ينظر المرء إلى ما جمعه وإلى ما تبقى له، فيكتشف أن الزمن لم يكن مفهومًا فلسفيًا كما كان يتوهم، بل شيئًا ينفد فعلًا طوال السنوات. في مثل هذه اللحظات تتصدع بعض الأدوار التي احتمينا بها، ويظهر سؤال لم يكن ملحًا من قبل: هل كانت هذه حياتي حقًا، أم أنني كنت منشغلًا فقط بإدارتها؟ وربما لهذا تكون الأزمات الوجودية مؤلمة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تضيف سؤالًا جديدًا إلى حياتنا، بل تكشف السؤال القديم الذي كنا نهرب منه.
غير أن النجاة من يقين الجماعة لا تعني النجاة من الوهم. ثمة من يستبدل إجابات المجتمع بإجابات الكتب، ويستبدل عقيدة بأخرى، ثم يظن أنه تحرر لمجرد أن مفرداته أصبحت أكثر تعقيدًا. نحن بارعون في بناء أقفاص فكرية أنيقة، وربما كانت أكثر خطورة لأنها تبدو، من الداخل، كأنها فضاءات مفتوحة. الوعي نفسه يمكن أن يتحول إلى قناع، والثقافة إلى زهو، والفلسفة إلى طريقة أكثر رفعة في تجنب مواجهة الذات. وليس كل من يشك قد تحرر، كما أن كثرة الأسئلة لا تعني بالضرورة أن صاحبها خرج من السرديات التي صنعت وعيه؛ فقد يكون الإنسان أسير شكه كما يكون غيره أسير يقينه. من هنا يعود سؤال الإرادة الحرة: إلى أي حد نملك حرية الاختيار أصلًا؟ لا أظن أننا نملك إرادة حرة بالمعنى المجرد؛ إرادة تقف خارج تاريخنا وأجسادنا وتربيتنا والظروف التي صنعت جانبًا كبيرًا من وعينا ورغباتنا. نحن لم نختر أجسادنا، ولا آباءنا، ولا زمن ولادتنا، ولا اللغة الأولى التي تشكل بها وعينا، ولا المجتمع الذي استقبلنا، ولا كثيرًا من المخاوف والرغبات التي تسكننا قبل أن نفهم مصدرها. لقد وجدنا أنفسنا، بتعبير هايدغر، مقذوفين في عالم كان موجودًا قبلنا، ولم يكن لنا رأي في كثير مما بدأنا به حياتنا. لذلك تبدو لي الحرية أكثر تواضعًا مما نحب أن نتصور: قد لا نملك أن نختار الخيارات التي تضعها الحياة أمامنا، لكننا نملك، بدرجات متفاوتة، أن نختار بينها. وهذه المساحة المحدودة لا تجعلنا أحرارًا بالمعنى المطلق، لكنها تكفي لكي يبقى السؤال عن مسؤوليتنا قائمًا.

22 أغسطس 2026

الأدب السعودي والترجمة: جدلية القوة واستحقاق الحضور

نشرت المقالة في «المختبر السعودي للنقد» ١٩\٧\٢٠٢٦
تتجاوز قضية ترجمة الأدب السعودي حدود النقل اللغوي المباشر، لتلامس في عمقها جوهر الصراع الحضاري وسؤال الوجود في عالمٍ لا يعترف إلا بالمؤثرين والفاعلين؛ فالترجمة في العرف الثقافي المعاصر لم تعد مجرد نافذة نطل منها على الآخر، أو جسر للتواصل البريء، بل هي مرآة تعكس ثقلنا الحقيقي في ميزان القوى الدولي. وفي ظل التحولات البنيوية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يصبح الحديث عن "العالمية" حديثاً عن استحقاق وطني ملحّ، لا عن رغبة عاطفية في نيل رضا الغرب أو استجداء تصفيقه. إن عبور أفق العالمية يتطلب، كشرط أولي، تفكيك هذا المفهوم الملتبس، والاعتراف بشجاعة نقدية بأننا نتحرك في فضاء محكوم بقوانين الهيمنة، حيث "علاقة الغرب بالشرق هي علاقة قوة، وعلاقة هيمنة وسيادة"[1]، كما كشف إدوارد سعيد في تشريحه الدقيق لبنية الاستشراق. هذه الهيمنة تعني أن المركزية الغربية هي التي تمتلك أدوات التعريف والتصنيف، وهي التي تمنح "صكوك الاعتراف" لمن يدور في فلكها. ومن هنا، فإن السعي لترجمة أدبنا لا يجب أن ينطلق من شعور بالتبعية أو رغبة في إثبات الذات أمام الآخر وكأننا في قفص الاتهام، بل يجب أن ينطلق من منطق فرض الذات بوصفنا قوة صاعدة تمتلك مشروعاً حضارياً مكتملاً، وقيمة جمالية أصيلة تستحق أن تُروى.
إن الرهان على فضول الغرب لكي يكتشف أدبنا من تلقاء نفسه هو رهان خاسر إذا لم يستند إلى قاعدة صلبة من النفوذ؛ فالغرب المكتفي بذاته ثقافياً لا يبحث عن الهامش إلا إذا تحول هذا الهامش إلى مركز قوة يؤثر ويتقاطع مع مصالحه الحيوية. والحقيقة التي يجب أن نعيها هي أن الثقافة تظل، في نهاية المطاف، ظلًّا ممتدًا لنفوذ الدول، وصدىً يتردد في فضاءات قوتها الاقتصادية والسياسية، فمتى ما ازداد الثقل الجيوسياسي للدولة، وتعاظمت قوته الاقتصادية وحضوره الدبلوماسي، تحول التجاهل الغربي إلى فضول قسري، ورغبة ملحة في فهم هذا العملاق الصاعد، والبحث في جذوره الثقافية وتقاليده الأدبية التي صنعت هذا التفوق.
تبرز التجربة اليابانية هنا كدليل حي وبرهان واضح؛ إذ لم يتنازل اليابانيون عن هويتهم، ولم يكتبوا أدباً يُفصَّل على مقاس الذائقة الأوروبية، بل ظلوا متمسكين بأدق تفاصيل تقاليدهم وأصالتهم، وفي الوقت ذاته انفتحوا تقنياً ومعرفياً وحققوا ثقلًا جيوسياسيًا هائلًا. هذا الثقل هو الذي أجبر الغرب على احترام "الكيمونو" وقراءة "الهايكو"، محققين بذلك توازنًا دقيقًا يثبت أن الانفتاح لا يلغي الأصالة، وأن التمسك بالجذور لا يعني الانعزال، وأن التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي هما البوابة الحقيقية التي يعبر منها العالم لفهم الشعوب. هذا الفهم العميق لثنائية الأصالة والانفتاح هو ما يحيلنا إلى المعنى الجوهري للإبداع، حيث لا يمكن للأدب أن يكون مؤثراً عالمياً وهو يرزح تحت وطأة التكرار والجمود. وهنا يمكن استحضار ما يذهب إليه أدونيس في سياق نقد الجمود الفكري بأن "الإبداع هو التجاوز، ولا تجاوز إلا بالحرية، ولا حرية إلا بخرق المحرمات المعرفية"[2]، ولا يُقصد بخرق المحرمات هنا المساس بالثوابت القيمية أو الأخلاقية، بل يُقصد به تلك الجرأة المعرفية في تحطيم أصنام العادة، والخروج من قوقعة المحلية الضيقة، وكسر حواجز التفكير التقليدي الذي يعيق رؤية الإنسان والعالم. إن احترام الثقافة المحلية والتمسك بالأصالة لا يتعارضان البتة مع هذا النوع من التجاوز الخلاق، فلكي نصل إلى الآخر، يجب أن نغادر دائرة الاجترار وأن نمتلك حرية معرفية تجعلنا نناقش قضايا الإنسان الكونية بلسان سعودي مبين.
في سياق هذه المحاولة للخروج إلى العالم، يبرز تحدٍّ خطير يهدد أصالة النص السعودي، وهو الوقوع في فخ "الاستشراق الذاتي" أو التنميط؛ حيث يعمد بعض الكتاب -بقصد أو دون قصد- إلى هندسة نصوصهم وفقًا للمشهد الذي يتخيله الغرب عنا، مكررين الصور المستهلكة كتسليع بدائية الصحراء، أو الترويج لسرديات الاضطهاد لضمان القبول السريع. إن الاشتغال الحقيقي يجب أن يقوم على أدب ونقد ذاتي مختلف، جديد، ومنفتح، يكسر طوق القوالب الجاهزة. وهذا ما يدعو إليه الناقد عبد الله الغذامي، الذي يحذر من سطوة الأنساق المضمرة، مؤكداً أن "النقد الثقافي يهدف إلى كشف العيوب النسقية التي توجد في الثقافة والسلوك"[3]، وليس مجرد الاحتفاء بالجمالي والشكلي. والمقصود هنا أن الثقافة الحية هي التي تمتلك شجاعة مساءلة نفسها، لأن الغرب لن يحترم ثقافة تقدم له ما يعرفه مسبقاً، بل يحترم الثقافة التي تفاجئه برؤية جديدة لا تخشى المكاشفة.

29 يناير 2026

جمالٌ متشنّج - شريف بقنه

​"الجمالُ يكونُ متشنجاً أو لا يكون"
أندريه بروتون

ضوَّأتُ صدري بالوحدة، وزيَّنتُ أنفاسي بصمتٍ مدوٍّ. لستُ رواقياً لأترفَّع عن الفتنة وأتوشَّح ألم القديسين، للأيام ملذاتها المشتهاة ولها أنواءٌ غادرة ورياحٌ هوجاء. لن أظلَّ حجراً أبكماً في عين العاصفة، بل رملاً ذرياً منثوراً في نحيبها.
ترقصُ الريحُ بلا منفعة، تزاول نزوة الطبيعة السحيقة، تقاوم أثر التلاشي وتكرِّس الجمال. تنصاعُ الذائقة وينحسر المبتذل والمكرور. يكشف الفن عن سحره للعين العارفة ويهب كرامته للناسك المتبتِّل. أما المسحوق في اليومي فلن ينال جواباً ولا هدية.
الجمالُ عملٌ طيِّع وتدفّقٌ أثير. يلتقطه الوعي لحظةً آنية ترهف حاسة المحيط، كما يصفها رينه دومال: «وعيٌ متَّسع وإدراكٌ منفتح لحواف الأشياء»، يفيض برغبة الحياة كامنةً في أعلى تجلياتها؛ رغبةٌ مباغتة ومخيفة مثل مطلع سيمفونية مزلزلة، أو وديعةٌ وسماوية مثل خطوات طفل يمشي على العشب لأول مرة، أو ربما حزينة ومهيبة مثل تلاوةٍ هادئة لقصائد شعراء منتحرين.

الجمالُ وشم الحقيقة منقوشٌ على جسد الأبدية.

​٢٥/١٢/٢٠٢٥


28 نوفمبر 2025

ضآلة التأثير تُعثِّر الثقافة السعوديّة عن العالمية

جريدة عكاظ، الجمعة ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥

علي فايع (أبها) alma33e@، علي الرباعي (الباحة) Al_ARobai@

ربما لم يلقَ المثقف السعودي، والأديب تحديداً، أي اهتمام من مؤسسات أكاديمية وثقافية عالمية، رغم أن هناك عناية بأسماء عربية من بلدان أخرى، ولذا قلّما نسمع عن دعوة موجهة إلى مثقف محلّي للمشاركة في مناسبة ثقافية عالمية، ولعل لغياب المنتج النوعي، وضعف الدعم المؤسسي أثراً في تحييد مثقفنا عن منصات العالمية، التي بلغتها الفنون، وأنشطة أخرى، وهنا محاولة لاستجلاء أسباب الغياب أو التغييب لوضع القارئ في صورة ما يحدث، وفتح أبواب النقاش، حول محور يستحق أن يكون موضوع ندوات وحوارات مطوّلة.

يرى الدكتور مسفر بن علي القحطاني، أن مؤسساتنا الثقافية، تركز على صناعة الأفكار الحية النابضة بالتقدم، بالبحث في الأفكار الكبرى التي تقود برامج النهوض، وتدفع بمحركات التنمية للعمل في الظروف الصعبة، لافتاً إلى أنه إنْ لم نؤسس النقلة الفكرية على مناهج بحث سليمة، ومن خلال تمكين لغتنا العربية في المجالات كافة، ستكون هناك ثغرات وهوّات ربما توقف مسيرتنا أو تصدها عن الصراط السويّ.

وعدّ القحطاني غياب الأفكار الكبرى والمشاريع الثقافية الرصينة، عائقاً عن بلوغ منصة الاهتمامات العالمية، كونه من النادر أن نجد مثقفاً سعودياً تحظى مؤلفاته بالدرس والعناية وتقديم الأطروحات خارج حدود بلادنا، وذهب إلى أن من أسباب ذلك، عقدة الشللية التي تُحِّزب المثقف في إطار مجموعته واستراحته ولا يرى غيرهم، ومن ثمّ تصبح منابرنا الصحفية والإعلامية والثقافية حكراً على المسؤول وجماعته وشلّته، فنفتقد مشاركات قيمة غابت بسبب التغييب المتعمد للكفء المجهول، إضافةً إلى أن مثقف الجزيرة العربية، اختار مقعد التتلمذ لعقود من الزمن، وبات يصعب عليه تجاوزه ولو نفسياً، كما أن الأساتذة الماضين من «عرب الشمال» خلال العقود الثلاثة الماضية كان يصعب عليهم أيضاً إفساح المجال للسعودي؛ تحديداً أن يتسيّد منصات التكريم والإشادة بتجهيل مقصود، وهذه الحقبة المريضة قد تجاوزناها، مضيفاً أن المنتج الثقافي السعودي الرصين انحسر عن مواقع التأثير بسبب فقر الملاحق الثقافية، والجامعات عن تطويره، من خلال نقده ومناقشته وإنضاجه في المجال التداولي، وباتت الصدارة للمنتجات الخفيفة من روايات وقصص وشعر، فغرقت الساحة الثقافية بالغثاء الكثيف، وغدت مؤلفات مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في قائمة الأكثر مبيعاً، والكل يعلم هشاشتها وفقر محتواها، وقال: «يؤسفني أن أرى مثقفاً متمكناً من مادته المعرفية، انتقل إلى ساحات الروايات بحثاً عن مجد (الترند) والشهرة الفارغة، وهذا وغيره سوف يراوحون في محيطهم المحلي وفي وسط ثقافي عام لا يملك سوى التصفيق والمديح». وأوضح أننا نملك اليوم في السعودية فرصة تاريخية وإمكانات مميزة ودعم رسمي لنعود للمنافسة العالمية والبناء الفكري الرصين، إلا أن هذه الممكّنات رهن وجود المثقف الأصيل القادر على شق طريقه المعرفي وسط كل الضجيج، فالمنتج الرصين يفرض قوته وعالميته ولو عقب حين.

ويؤكد الشاعر والمترجم شريف بقنة أن الإجابة على مثل هذا السؤال تتطلب شجاعة في تشريح الواقع، وتفكيكاً لمفهوم (العالمية) بحد ذاته، ويمكن تلخيص المشهد في عدة سياقات متداخلة، ففي المقام الأول، يجب أن نعترف بواقعية قاسية، وهي أن (العالمية) بمعايير اليوم لا تزال منتجاً غربياً خالصاً، فمهما تحدثنا عن حوار الحضارات، يظل الغرب -بامتداداته في أمريكا وأوروبا واليابان- كتلة ثقافية مهيمنة تملك أدوات الاعتراف الدولي، مشيراً إلى أن من يملك ميزان القوى الاقتصادي والإعلامي، يملك بالتبعية ميزان القوى الثقافي، ونحن أمام مشهد تُدار فيه كبرى الجوائز، ودور النشر المؤثرة، والمنصات الفلسفية بأدوات ومعايير غربية، ما يجعل اختراق الجدار الصلب للمثقف القادم من الشرق تحدياً وجودياً، فالشرق لا يزال شرقاً، والغرب غرباً. وأضاف بقنة: هناك الفجوة التاريخية وعبؤها، إذ تأخرنا كثيراً في اللحاق بقطار التحولات الكبرى كعصر النهضة والتنوير والثورة الصناعية، وهذا التأخر الزمني خلق حالة من «الدفاع عن الهوية» لأسباب دينية وقومية وسياسية، ما أدى لسنوات طويلة من الانغلاق النسبي وعدم الانفتاح الجريء على الآخر، وهو شرط أساسي لتصدير الثقافة عوضاً عن استهلاكها. ويرى أن نتاجنا يغرق في تفاصيل محلية بحتة، مع ضعف واضح في جسور الترجمة العكسية التي تنقلنا للعالم. ورغم أننا نشهد اليوم حراكاً سعودياً وخليجياً مبشراً -سواء في الترجمة أو الجوائز والمؤتمرات- يسعى لردم هذه الفجوة، مؤكداً أن صناعة الرمز الثقافي العابر للحدود، عملية تراكمية تحتاج إلى صبر ووقت لتغيير قواعد اللعبة.

20 نوفمبر 2025

بحر الليل، ١٩٦٣ - فيكتوريا تشانغ

 

Summer (1964) Patricia L Lewy Gidwitz
Summer (1964) Patricia L Lewy Gidwitz

في هذه الغرفة تتضاعف وحدتي، لأن حوافَّ اللوحة لم تعد بيضاء. الزُرقة الحقيقية تبدو أثخن مما هي علي في الصور. مصدر تلك الزُرقة لم يعد هنا. ما تبقّى هو هذا الجمال الكثيف أمامي، بحوافٍّ بالية تشبه فمي القذر الفاغر أمام الجميع. ما زالت روحي معي، غير أن شظاياها بدأت تهاجر نحو الأشياء الجميلة، نحو هذه الزرقة مثلًا. أُودِعُ شيئًا من روحي هنا، ثلاثة أسطر إلى الأعلى، في المستطيل الرابع يمين اللوحة. روحي منسوجة من كلمات وكسرات زجاج، وفي الآونة الأخيرة، لايكفُّ الزجاج عن جرح الكلمات. الكلمات الأشد جراحًا، التي رافقتني منذ طفولتي، تؤثر البقاء هنا. أواسي نفسي وأنا أغادر الغرفة. لايدرك الحاضرون في الغرفة ما فعلته. بعض كلماتي عدلت عن رأيها، وتحاول الخروج من الغرفة للحاق بي. أمضي مبتعدة، أخفَّ وزنًا، أحمل على كاهلي روحًا صغيرة. لكن بعد ثلاثة وثلاثين يومًا، ما زلت أسمع الكلمات تستجير.¹ ²

¹ ترجمة شريف بقنه

² This piece is taken from the original text “Night Sea, 1963”, included in the book With My Back to the World, published by Farrar, Straus and Giroux in 2024.

14 نوفمبر 2025

آلاف السنين من الفلسفة، وكلمة واحدة تلخّص معنى الحياة

الصورة: كارل ويذَرلي/جيتي

كولم كينا، ذا آيريش تايمز¹ - ترجمة د. شريف بقنه

عندما كنت شابًا، تساءلت عن معنى الحياة وغايتها، ولذلك – ظنًا مني أن ذلك قد يساعد – اشتريت نسخة من كتاب برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية. ولم أكتفِ بذلك؛ بل اقتنيت دفترًا خاصًا أدوّن فيه الكلمات التي لا أفهمها لأعود إليها في القاموس. سرعان ما عدلت عن هذه العادة، لكنني أكملت قراءة كتاب راسل الضخم، وعبره اطّلعت على إرثٍ يمتد لآلاف السنين من التأملات الغربية، ابتداءً بسقراط حتى الفلسفة التحليلية. بهذه الطريقة وجدت أن الفلاسفة – عند النظر إليهم كجماعة – كانوا في حيرة مثل حيرتي.

عندما أنظر إلى الوراء، يُخيل إليّ أن سعيي لتحسين مفرداتي كان أصدق من أملي بأن تقدّم الفلسفة جوابًا جاهزًا لأحد أكثر أسئلة الحياة إثارة. وما زلت غير واثق تمامًا من معنى الأبستمولوجيا أو الهرمنيوطيقا، ولست متأكدًا من سبب ميل المفكرين الفرنسيين، على وجه الخصوص، إلى أفكارٍ فلسفية تبدو متهافتة. ولكنني – وأعلم أن عبارتي قد تُظهِرني كأحد سكان الضفّة اليسرى الباريسية² المهووسين – قد خلصتُ إلى أن أحد أسباب القلق الوجودي لدى الشباب هو أننا، كبشر، مبرمجون فطريًا على امتلاك القدرة اللغوية. ولأن أدمغتنا تتطلّب أن تكون الجملة المصوغة جيدًا ذات معنى، فإننا نُسقِط التوقّع نفسه على الحياة ومعناها عمومًا. ويجب أن نكون قادرين على قول ما تعنيه الجملة. كما أن قدرتنا اللغوية لا تقتصر على الفهم فحسب، بل تشمل أيضًا القدرة على ابتكار الكلمات – وهو أمر يستحق التأمّل فيه.

16 أكتوبر 2025

رجلُ المطر - بول فارلي

آخرَ ما أفعلهُ أُطفِئُ الأنوار،
وأُسدِلُ الستائرَ المعدنيّة،
أُضبطُ المنبّه،
وأتركُ فجوةً صغيرةً في الشرائحِ المعدنيّة،
أَنحني لأعبُرَ من تحتِها.

وفي الوقتِ الذي أبتعدُ فيه،
فيما الزمنُ يَنحسِرُ ببطءٍ،
أُلقي نظرةً إلى الفراغِ
الذي تركتُه في المدينة.

أفعلُ ذلكَ كلَّ ليلةٍ.

في الخارج،
الهواءُ مُثقَلٌ بالأبخرةِ والمطر،
وكلُّ شيءٍ على وشكِ الحدوث.


ـــــــــــــــــــــــــ
¹ ترجمة شريف بقنه
² نُشرت قصيدة «رجل المطر – Rain Man» ضمن مجموعة بول فارلي الشعرية The Mizzy الصادرة عن دار بيكادور (Picador) في لندن عام ٢٠٢٤، ترشحت المجموعة للقائمة القصيرة لجائزة تي. إس. إليوت ٢٠٢٤.
³ Financial Times, "Rain Man" by Paul Farley, March 29, 2024.

25 سبتمبر 2025

قراءة في مقال «الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟»

في مقال نُشر بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٥ في مجلة "النيويوركر" بعنوان "الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟"، يستعرض الكاتب دروف كولار التأثير الكبير الذي تحدثه نماذج اللغة الكبيرة LLMs في عالم الطب، مع تسليط الضوء على الفرص والمخاوف المصاحبة لهذه الثورة التكنولوجية.
​يبدأ المقال بقصة لافتة لـ "ماثيو ويليامز"، مهندس برمجيات عانى لسنوات من أعراض هضمية حادة فشل ٨ أطباء في تشخيصها بدقة. وبعد معاناة طويلة، لجأ إلى ChatGPT الذي تمكن في ثوانٍ من تحديد السبب المحتمل لمشكلته، وهو مركبات تسمى "الأكسالات Oxalate" لم يذكرها أي من أطبائه من قبل. هذه التجربة غيرت حياته وقناعاته:
​"أثق بالذكاء الاصطناعي أكثر من الأطباء. ولا أعتقد أنني الوحيد في ذلك."
​يشير المقال إلى أن الأخطاء التشخيصية في الولايات المتحدة وحدها تساهم في وفاة شخص من كل ١٠ أشخاص (أجد أن الرقم مبالغ فيه)، مما يبرز الحاجة الماسة لأدوات أكثر دقة.
​لكن التكنولوجيا تأتي بآثارها الجانبية. فالمقلق هو تآكل المهارات البشرية، وهو ما عبر عنه طالب طب وكشف عن قلق مشروع في الأوساط الطبية:
​"أنا قلق من أن هذه الأدوات ستؤدي إلى تآكل قدرتي على إجراء تشخيص مستقل."
​يستعرض المقال التطور التاريخي للتشخيص الحاسوبي وصولاً إلى "CaBot"، وهو نموذج ذكاء اصطناعي متقدم من جامعة هارفارد وُضِع في مواجهة مباشرة مع طبيب خبير لتشخيص حالة معقدة، في تحدٍ يذكر بمباراة الشطرنج الشهيرة بين كاسباروف وحاسوب ديب بلو.
​يطرح المقال في النهاية سؤالاً محورياً حول مستقبل مهنة الطب: كيف سيتغير دور الطبيب في عصر أصبحت فيه الآلة شريكاً تشخيصياً قوياً، وأحياناً أكثر بصيرة؟

28 أغسطس 2025

خرائط الريح - شريف بقنه

Another Place by Antony Gormley
"الكثير من العوائق تحول دون هذه المعرفة، بما في ذلك غموض المسألة وقصر الحياة البشرية" بروتاغوراس (٤٨٧ ق.م - ٤٢٠ ق.م)

أسير ببهاء جرحي رفقة أيام شاحبة،
يحيرني غموض السؤال
ويقيدني قصر الحياة
ويحيد بي الطالع شاردًا
أفتش في دوامة الجهات عني،
أدعك فضة المرايا 
علني أراني رابضًا
بين أثاث الفراغات 
أو مبدّدًا في خرائط الريح.
تسكنني الظنون
وأسكن غابة أسئلة
،أهادن الوقت وأخاتل الضيق
أصنع من الاعتياد دهشة 
وأنسى كل مرة كيف تحايَلت
وبعثت الجدوى من أعماق التفاهة.
أعرف مشقة اختراع المعنى
منذ طُوي الزمان صفحةً
في كنف المكان،
تحرر الضجر من ثقبٍ أسود
وتفجرت عاطفة المجرات
جربت الأصوات طبقاتها 
واندلعت نوافير الألوان
اختار البرد لونه الشفاف،
تسمت الأشياء وأصبح 
للوقت حدائق نسيان.
لماذا توارى الفن خلف القشور،
وكيف استحال الغياب شاعريًا؟
هل أسرفت الطبيعة في بطشها،
هل للطمأنينة أن تسيل في الروح
وتجعلها خفيفة؟
منذ حذرني فاوست 
من نزوات مفستوفيليس
أيقنت أن السعادة 
اكتمال يلمع في اللانهائي
وأن المعنى 
مَذروٌّ في رماد الليل
ضائع في غصة الجمال،
هكذا ذبت في خطوط الريح 
امتطيت مع آخيليس هفوة الفن
صقلت رغبتي الملحمية
هددت تعابير الكلام
وسفكت دم الدلالة
على صفحات الصواب،
كتبت قصيدة
عن منازل السهو
ومثالب الريبة.
 
٥ أغسطس ٢٠٢٦
أبها

02 مايو 2025

المترجم كاتبًا خفيًّا: متى تصبح الترجمة عملًا أدبيًّا جديدًا - د. شريف بقنه


لو تخيلنا الترجمة كرحلةٍ عبر المرايا، لكان المترجم هو تلك المرآة التي تعكس النصَّ دون أن تُفقدهُ وهجَه، لكنها تضيفُ إليه أبعادًا جديدةً تُضيء ما خفيَ في الزوايا. العديد من الاستعارات تتوازى مع رحلة الكاتب الخفي، رحلة المترجم عبر نص المؤلف. يرى المترجم نفسه كظل أمين يتماوج جنبًا إلى جنب مع النص، فالترجمة هنا حديث سري وحوار داخلي وصامت، كما يصفها جورج شتاينر في كتابه "بعد بابل: جوانب من اللغة والترجمة": «كل ترجمة فعلٌ من أفعال الفهم العميق، ومحاورة صامتة مع النص الأصلي»[1]. المترجم لا يكتفي بنقل الكلمات، بل يعيش داخل النص ليستوعب صوته، وينسج ظلًّا لمعانيه، حاملًا رسالة العقول عبر الزمن كرفيقٍ خفي، تقول المترجمة الأمريكية إديث غروسمان في هذا السياق: «أحيانًا أشعر أنني أكتب النص من جديد جنبًا إلى جنب مع الكاتب الأصلي، كما لو كان يهمس بأذني»[2]. هذه العلاقة اللامرئية عميقةٌ في جوهرها؛ فالمترجم قارئٌ استثنائي، صديقٌ غير مُعلَن للنص، يعيد تشكيله بلغة أخرى. إنه القارئ الأول، الأكثر تدقيقًا، والأشد توجسًا، الذي يرافق الكاتب كظله، يتنقل بين أفكاره بحثًا عن ذلك الخيط الرفيع بين الأمانة الأدبية والاشتغال الإبداعي.
أنتقل إلى استعارة أخرى: المترجم كمستكشفٍ للغموض وفنانٍ خفي. فهو لا يكتفي باكتشاف خبايا النص، بل يفتح أبوابه الموصدة لاستنطاق فسحة التأويل، ويعيد تشكيله كقطعة فنية بلغة جديدة. هنا نستحضر قول أمبرتو إيكو: «الترجمة هي قول الشيء ذاته تقريبًا»[3]، لكن كلمة "تقريبًا" تحمل في طياتها مغامرةً إبداعية، خاصةً إذا كنا نتحدث عن ترجمة النصوص الأدبية. يسبر المترجم أغوار النص، يكتشف طبقاته الخفية، ويسعى لتقديمه بلغة جديدة دون أن يفقد سحره وخاصيته الفنية. المترجم هنا أشبه بعالم آثارٍ يزيل الغبار عن النص ليُظهر جماله الخام. وكما يوضح لورنس فينوتي في كتابه "اختفاء المترجم": «يُطلب من المترجم أن يكون حاضرًا في النص، لكنه يُجبر على الاختفاء في الوقت ذاته»[4]. هذا التناقض المحوري يجعل الترجمة فنًّا خفيًّا، حيث تُنسج لغة المترجم في نسيج النص دون أن تترك أثرًا.