«أن نفكّر يعني، إذن، أن نكتشف ونبتكر إمكانات جديدة للحياة»¹. يكتب جيل دولوز هذه العبارة في قراءته لنيتشه، وأجد فيها سببًا وجيهًا للاهتمام بفلسفته. ثمة وعدٌ يستحق التأمل هنا: أن يساعدنا الفكر على اكتشاف ما نستطيع أن نعيشه، وأن يجعلنا نرى احتمالات حجبتها عنّا العادة أو الخوف أو التسليم بأن الأشياء لا يمكن أن تكون إلا كما عرفناها. تعجبني هذه الصلة بين التفكير والحياة، لكنها تجعلني أكثر رغبةً في مساءلة المفاهيم، وفي معرفة ما تضيفه فعلًا إلى قدرتنا على الفهم والاختيار. لقد زعزع نيتشه الاعتقاد بأزلية القيم، وسأل عن الظروف والقوى التي أسهمت في تشكيلها. يهمّني هنا ذلك الارتياب الصحي في ما نقدّمه لأنفسنا على أنه ثابت ونهائي، وقدرتنا على نسيان التاريخ الذي صنعه؛ فإدراكنا لتغيّر القيم لا ينبغي أن يجرّنا إلى عدمية باردة تتساوى فيها الأشياء ويفقد الاختيار معناه، بل يجب أن يدفعنا إلى مراجعة ما حسبناه يومًا من المسلّمات.
من هذه الزاوية، أجد في مفهوم «الجذمور»، الذي طوّره دولوز مع فيليكس غوتاري، صدى لأثر نيتشه، وخصوصًا في أفكار التعدد والصيرورة والاختلاف. يقدّم الجذمور صورةً لفكر يتشعّب في اتجاهات متعددة، وتتكوّن روابطه دون أن تنتظم تحت أصل واحد أو مركز مهيمن. إنها صورة تشبه حياتنا التي لا تسير دائمًا بالترتيب الصارم الذي نضعه لها، بل تتخلّق غالبًا من مصادفات واشتباكات لم نخطّط لها. غير أن جاذبية هذه الاستعارة تترك عندي سؤالًا حقيقيًا عن قدرتها على تفسير الواقع، وعن الحدّ الذي تتحوّل عنده من أداة تساعدنا على الفهم، إلى قناع فضفاض نوسّعه ليشمل كل شيء.
مشكلتي مع بعض الطروحات ما بعد الحداثية تبدأ حين يصبح التعقيد قيمةً في ذاته، وحين نُطالَب بالإعجاب بمفاهيم متشابكة قبل أن نلمس الفرق الذي أحدثته في نظرتنا، أو نعرف لماذا قصرت لغتنا السابقة عن استيعابها. فالجِدّة وحدها لا تمنح الفكرة قيمتها، والتحرّر من يقين قديم لا يعفينا من مساءلة البديل المقترح. يُلحّ دولوز مثلًا على التعدد والصيرورة، ويقلب العلاقة المعتادة بين الهوية والاختلاف، جاعلًا الهوية مجرد محاكاة وأثر بصري للعبةٍ أعمق من الاختلاف والتكرار². ورغم تفهّمي لطبيعة هذا النقاش الفلسفي، أتساءل عمّا يحدث حين نسحب هذا التصوّر السائل إلى حياتنا اليومية: هل يكفي أن تكون الهوية متشكّلة وليست أزلية حتى نفقد الثقة في قيمتها؟ الهوية، في نظري، ميزة تمنح الإنسان إحساسًا ضروريًا باستمراره، والثقافة خصوصية تتراكم فيها لغته وذاكرته. من هذا التماسك تحديدًا تنشأ قدرتنا على التجاوز؛ فحتى استطاعتنا أن نختلف عمّا كنّا عليه تحتاج إلى بنية نتذكّرها وملامح نقيس بها ما تغيّر فينا. اللغة ذاتها بنية سبقتنا، ومع ذلك نبتكر بها ما لم يُقل من قبل. لا أريد تحميل دولوز ما لم يقله، فقد حذّر مع غوتاري من تفكيك البنى بلا تحوّط³، لكن اعتراضي يتركّز على تحوّل مقاومة التحجّر إلى ارتياب دائم في كل تماسك؛ فإذا تحوّل الرفض إلى مبدأ مطلق، غدا راديكاليةً متطرّفة تعجز عن التمييز بين ما يحفظ للحياة معناها وما يخنقها.
ويمتد هذا التساؤل إلى نقد دولوز وغوتاري للنموذج الهرمي، واحتفائهما بالشبكات الأفقية المتعددة، بوصف الجذمور نظامًا «لا مركزيًا وغير هرمي»⁴. أتفهّم جيدًا هذا الانحياز للأفقية حين يكون اعتراضًا على سلطة استبدادية تحتكر القرار وتفرض مسارًا واحدًا، لكن هل يمكن تعميم هذا الرفض على كل علاقة تتفاوت فيها المقامات؟ أفكّر في علاقة الابن بأبيه وجدّه؛ مساواتهم في الكرامة الإنسانية لا تجعل مواقعهم متطابقة، ولا تُلغي مسؤولية الرعاية أو مكانة الاعتراف بالفضل. كما أن ثمّة تراتبية في القيم نفسها؛ فحين أقدّم الحب على البغض، والخير على الشر، وأتمسّك بالحياة في مواجهة الموت، فإنني أمارس انحيازًا يمنح اختياراتي معناها. أعرف أن تفضيل قيمة على أخرى يختلف عن إخضاع إنسان لإنسان، وهذا الفارق تحديدًا يجعلني أتحفّظ على التوسّع في رفض الهرمية. الشبكة الأفقية لا تضمن العدالة بمجرد غياب المركز، وقد أقرّ الفيلسوفان بأن الجذمور نفسه قد ينتج أشكالًا من الاستبداد⁵. فإذا كان دولوز يدعونا إلى الارتياب في الأنظمة المغلقة، فمن حقّنا أن نوجّه السؤال إلى أدواته نفسها، تلافيًا لتحويل التفكير الأفقي إلى قالب جامد ننتظر منه تفسير كل شيء. فالحياة تصدمنا بتحديات تستدعي الحسم والاختيار، وربما تتطلب شيئًا من «إرادة القوة»، بما توحي به لي من خلقٍ وتجاوزٍ للذات. مع ذلك، تبقى فكرة «خطوط الهروب» عند دولوز من أكثر أفكاره إثارةً للاهتمام، بوصفها مسارات تنفلت من الترتيب القائم وتتيح تجارب جديدة⁶. ما أقدّره حقًا في هذا الفكر هو شجاعته في مساءلة المستقر، وقدرته على كشف الإمكان حيث اعتدنا رؤية الضرورة. ولعل أصدق تقدير لهذه الشجاعة، هو أن نُبقي فلسفة دولوز نفسها قابلةً للمساءلة والتجاوز.
__________
الهوامش:
¹ «نيتشه والفلسفة»، جيل دولوز (ترجمة: هيو توملينسون)، دار كونتينيوم، 2002، ص 101.
² «الاختلاف والتكرار»، جيل دولوز (ترجمة: بول باتون)، دار نشر جامعة كولومبيا، 1994، المقدمة، ص xix.
³ «ألف هضبة: الرأسمالية والفصام»، جيل دولوز وفيليكس غوتاري (ترجمة: برايان ماسومي)، دار نشر جامعة مينيسوتا، 1987، ص 160–161.
⁴ المرجع السابق، ص 21.
⁵ المرجع السابق، ص 20.
⁶ المرجع السابق، ص 204.
