الجمعة، 9 أكتوبر 2020

تذكَّرِ النِسيانَ - شريف بُقنه

علّقَ على كَتِفِه علبةَ صَفيحٍ كدّسَ فيها أيامَه، مَضى مَكْمُودًا كالعاثرِ في الشّوكِ يكتشِفُ الطَّريقَ، رشَقْته أغنيةٌ فسَقطَت أيامُه آحادًا تتدحرجُ في كل ناحيةٍ. جفَلَ وراحَ يجمَعُ كلَّ ما صادفَ من جنائزَ وجوائزَ وخساراتٍ وحسَراتٍ وبقيّةَ أمنياتٍ. 

صافِحِ الذكرياتِ يا صاحبي
واتركِ الأيامَ ترحلُ بسلامٍ،
لحْنٌ، قشعريرةٌ، شجنٌ، سلطَنةٌ، وجَعٌ، تَجلٍّ، اِنعتاقٌ
هكذا تَجري الأمورُ.
أن تسقُطَ في فخاخِ الغِوايةِ
وتستحيلُ الخساراتُ ندباتٍ في القَلْب، 
نحتٌ مقدّسٌ يزخرف قلبَ الناحِلِ
كورالٌ ينشدُ كارمينا بورانا:
بحرٌ متلاطمٌ من الأقدارِ ‏العبثيّةِ
ودورةُ حياةٍ لا تكفُّ عن التّكرار، 
كائناتٌ مبعثرَةٌ في كوْنٍ هُلاميٍّ
وزمنٌ مسافرٌ في قطارِ المَجْهول، 
كلُّ شيءٍ هشٌّ هنا حتّى احتمالاتُنا الطارئة.
أضعْنا الكثيرَ من الوقتِ في تنظيمِ العالَمِ
وفاتَنا أنَّ ثمّة هفوةً، ثمّةَ نَبْوَةً لم نُعِرْها ولو قليلا؛ 
لم يُخلَقِ العالمُ من أجلِ سعادتِنا
نتسكّعُ هكذا عادةً والوقتُ يتولّى البقيّة،
ساذجين، بُسَطاءَ نحبُّ السُّخريةَ والنِكات.
هكذا تجري الأمورُ.

أدب الفقد - هناء حجازي

هناء حجازي جريدة الرياض،  الخميس 9 ذو الحجة 1441هـ - 30 يوليو 2020م

 قبل أيام عندما وقفنا على القبر المفتوح أنا وإخوتي لم نذرف دمعة واحدة، أصبحنا نعرف أن بئراً بذاك العمق لا تمتلئ بهكذا ماء. فبدأنا نبكي مثلما كان يبكي هو، بطريقة مختلفة، وغريبة ومفزعة، كان الماء يدخل إلى أعيننا ولا يعود.

هذه الكلمات مقتطفة من قطعة فنية غاية في البراعة كتبها مازن سرحان في رثاء أبيه. قال في نفس النص في عبارات سابقة، منذ أن غاب جدي حسين سرحان آخر مرة في العام 1413 لم يعد، وبكى عليه زامل بطريقة مختلفة وغريبة أفزعتني، حيث كان الماء يدخل إلى عينيه ولا يعود، أصبح هذا النوع من البكاء مألوفاً لدي الآن.

كتب مازن هذه الكلمات قبل أربع سنوات، لم أرها سوى هذا الأسبوع. وشعرت بكم الحزن الذي وضعه مازن في هذا النص.. شهقت وشعرت بالماء الذي يدخل إلى العيون ولا يعود.

الجمعة، 24 يوليو 2020

نحيبٌ بعيدٌ من أفريقيا - قصائد مختارة للشاعر ديرِك والكُت


العدد -2618- السنة التاسعة والستون - الخميس 02 ذو الحجة 1441هـ - الموافق 23 يولية 2020م

منتصف الصيف، توباغو (٢)

شواطئُ عريضةٌ بسطَتْها الشّمسُ. 

حرارةٌ بيضاءُ.
نهرٌ أخضرُ.

جسرٌ،
نخلاتٌ صفراءُ مُشيّطة

من منزلِ استجمامةِ الصّيفِ 
أيامُ أغسطس الناعسةُ.

الأيّامُ التي قضَيْتُها،
الأيّامُ التي فقدتُها،

الأيّامُ التي كبُرت معي، مثل البناتِ،
أذرعي التي نذرتُها.

** ** ** **
نحيبٌ بعيدٌ من أفريقيا

ريحٌ تُقَشعِرُ جلدَة أفريقيا
السمراء، كيكويو(٣). بسرعةٍ كذُبابٍ
يسبحُ في حمّام دَمٍ فوقَ السّهابِ. 
الجثثُ مُبعثَرةٌ في الجنَّةِ.
وحدَها الدودةُ، كولونيل الجيفةُ، تبكي: 
"لا تُضيّعوا أيَّةَ رأفةٍ على هؤلاءِ
 القتلى المنفصلين!"
الأرقامُ تُثبتُ، 
والعُلماءُ تضبطُ بلا رَويّةٍ
مرتكبي السياسَة الاستعمارية. 
ما الذي يعنيه ذلك 
لطفلٍ أبيضَ في سريره مغدور؟ 
للهَمَجِ، لضحايا اليهود؟

الجمعة، 22 مايو 2020

عيونٌ مثبّتةٌ بالدّبابيس - تشارلز سيميك


كم منَ الوقتِ
يقضي الموتُ في العمل،
لا أحدَ يعلم في أيِّ يومٍ
طويلٍ سيحلُّ. الزوجةُ
الصغيرةُ دائمًا وحْدَها
تكوي غسيلَ الموت.
البناتُ الجميلاتُ يضعْنَ
مائدةَ عشاءِ الموتِ.
يلعبُ الجيران البينوكل**
في الفناء الخلفيّ أو
يجلسون على الدَّرَج فقط
يحتسون البيرةَ. الموتُ،
في هذهِ الأثناء، في جزءٍ
غريبٍ من المدينة يبحث
عن شخصٍ بسعالٍ سيءٍ،

دهْشَةُ الأطفالِ - شريف بقنه


"أوقفوا هذا العالم، أريد النزول!" رامبو


إلهي أضَعتُ
أمتعةَ أوقاتي ألهثُ وراء النجاةِ
النجاةُ من الوقتِ الذي أضَعْته،
أمضي حياتي بحثاً عن حياتي
لم أدركُ أن رحلةَ البحث
كانت حياتي.


إلهي وجَدْتُ
نفسي هنا و لا أعرفُ ما العمَل،
أظنُّ أن عليّ أن أعملَ شيئاً
و ليس لدي سوى الشَّكّ والملَل.
لا حاجةَ للطبيعة بي، ولا يُشْفِق
الوقتُ بأجَلي، و كأنه المـُراد
أن أتكيّفَ مع فزَعي،
مع الضّـآلةِ.


إلهي تعِبتُ
فاجعَلْني أغادرُ سُلالتي
وأترك ُكياني،
أغادرُ فوضى المعاني
سيرةَ الشتاتِ وندامةَ الذّكريات.
امزجني جديداً بمادةِ الكَوْن
وليبدَأ كلُّ شيءٍ مرةً أخرى
ولتَبْدأ حياةٌ مسالمةٌ،
حياةٌ مليئةٌ بالحفلات.


إلهي سئِمْتُ
فامنَحني دهشةَ الأطفال
حتى اجتلبَ متعةَ الاكتشافِ
فلقد قتلَني الروتين،
اجعَلْني أقِفُ مسحوراً
أتأمّل بقعَ الماءِ آسِنةً في
الشّارع وهي تعكسُ نُدَفَ
الغيومِ وتشربُ زُرقةَ السّماء.

الرياض ١ مايو ٢٠٢٠

* Photo credit (Happiness By Chee Keong Lim)

كيف ترسمُ بورتريه لعصفور - جاك بريفير

إلى إلسا هنريكيز

اُرسُمْ أولًا قفصًا
واترُك البابَ مفتوحًا
بعد ذلك اُرسُم
شيئًا جميلًا
شيئًا بسيطًا
شيئًا مُحبَّبًا
شيئًا ينفع العُصفور
ثم ضَعِ اللَّوحةَ بالقربِ من شَجَرةٍ
في حديقةٍ
في بُستانٍ
أو في غابةٍ رُبّما
أختبئ وراء الشّجرةِ
لا تَقُلْ شيئًا
لا تتحرّكْ قيدَ أنملة...
قد يصِلُ العُصفورُ بِسُرعة في بعض الأحيان
ولكن يُمكِنُ أن يستغرقَ الأمرُ سنواتٍ عديدةً
لذلك قبلَ أن تتّخذَ أيَّ قرارٍ
انتظِرْ

ما جدوى ترجمة الشعر؟ (فيديو لندوة أدبية - مهرجان رواشن الشعري 2020)


جلسة نقاشية "ما جدوى ترجمة الشعر؟"
الشاعر والمترجم د. شريف بقنة، الكاتبة والمترجمة إيمان أسعد
‎مديرة الأمسية: إيمان بن شيبة
‎مهرجان رواشن للشعر | دورة الشاعر أحمد العسم 2020

قصائد من العالم ( قصائد مترجمة - مجلة الفيصل الثقافية)


مجلة الفيصل | مارس 1, 2020 | نصوص
اختيار وترجمة: شريف بقنه - شاعر ومترجم سعودي

أنا
تشايريل أنور

إذَا جاء وقتي
لا أريدُ لأحَدٍ أن يتوسلَ إليَّ
ولا حتَّى أنت،
لستُ بحاجةٍ الى العويلِ!

أنا مجرَّدُ حيوانٍ ضارٍ
منفيٍّ حتَّى من قطيعِهِ.

حتَّى لو كانَ الرّصاصُ يخترقُ جلدتي
إلَّا أنَّني سأظلُّ غاضبًا أصارعُ،
أنالُ جروحِي و أتذوَّق سُمِّي
بينمَا أنا أجرِي
وأجرِي..
حتَّى يذهبُ الألمُ.

و سينالُ كلُّ ذلك من اهتمامي القليلَ
لأنَّني سأعيشُ ألفَ سنةٍ أخرَى.

_________
ترجمة شريف بقنه عن لغةٍ وسيطة (الإنجليزية)، نقلَها عنِ الإندونيسية بورتون رافيل وَ نورُالدّين سلام
* تشايريل أنور ( ١٩٢٢-١٩٤٩) شاعرٌ إندونيسيٌّ
"Aku” (meaning “Me”) from Selected Poems by Chairil Anwar, Burton Raffel (Translator), Nurdin Salam (Translator), 1963 by New Directions

النّهاية
مارك ستراند

ليس كلُّ رجلٍ يعرفُ ما الذي سيُغنّيهِ في النّهايةِ،
و هو يراقبُ رصيفَ الميناء بينما السفينةُ تبحر بعيدًا،
أو ما سيبدو عليه الحالُ
عندما يحاصرُه هديرُ البحر، بلا حراكٍ، هناك في النّهايةِ،
أو ما الذي سيأملُ به بمجرّد أنْ يتّضحَ تمامًا أنَّهُ ليس ثمَّة من عودةٍ.

عندما يكون الوقتُ قد نَفَدَ لتقليم الوردةِ أو مداعبة القطَّة،
عندما يُشعلُ الغروبُ المروجَ و القمرُ مكتملٌ يجمِّدُها
لاشيءَ يظهرُ من جديدٍ،
ليس كلُّ رجلٍ يعرفُ ما الذي سيكتشفه عوضًا عن ذلك.
عندما يتكّئُ ثِقَلُ الماضي على اللّاشيءٍ، على السَّماءِ

كلُّ ذلك ليس أكثرَ مِن تَذَكُّر الضّوْءِ، وحكاياتِ الغيومِ الذوَّابةِ
يأتي الرُّكامُ حينَها ليضعَ الخاتمةَ، وكلُّ الطُّيورِ تظلُّ مُعَلّقةً تحلّقُ في رحلتها،
ليس كلُّ واحدٍ يعرفُ ما الذي ينتظرُه، أو ما الذي سيُغنّيه
عندما تجنحُ السّفينةُ التي يركبُها إلى عمقِ الظَّلام، هناك في النّهاية.

_______
ترجمة شريف بقنه
* مارك ستراند (١٩٣٤-٢٠١٤) شاعرٌ أمريكيٌّ كنديٌّ، كاتبٌ و مترجمٌ
"The End” from The Continuous Life by Mark Strand، 1990 by Alfred A. Knopf، a Division of Random House

لكنَّكَ لم تفعلْ
ميريل جلاس

تذكرُ ذلك اليومَ الذي أقرضْتَني فيه سيارتك
وعدتُ بها مخدوشةً؟
ظننتُ أنَّكَ ستقتلنِي ...
لكنَّكَ لم تفعلْ.