الخميس، 29 أكتوبر 2020

في مكانٍ آخر- ديرك والكُت



في مكانٍ آخر- ديرك والكُت (1)  
(إلى ستيفن سبندر(2) )

في مكانٍ ما، تركضُ أحصنةٌ بيضُ 
مرسلةً شعرَها في حقلٍ مسيّجٍ بأسلاكٍ
شائكةٍ، حيثُ الرجالُ في الغِيضِ
يكسِرون الحجارةَ ويبعدونَ الأشواك.

في مكانٍ ما، نسوةٌ سئمنَ بكاءَ
البحرِ على مراكب صيْدٍ لا تزالُ 
بعيدةً، في لُجّةِ مستحيلٍ زرقاءَ.
نسوةٌ سئمن حكاياتِ الأهوال.

في ذاكَ المكانِ، حصلَ اعتقال.
في مكان ما غَلّةٌ حزينةٌ صغيرةٌ
من الجثَثِ في شاحنةٍ، وأرتالُ 
جنودٍ يستريحون ذاتَ هجيرة. 

في مكانٍ ما، مؤتمرٌ استشاطَ
 غضَبًا وصفحةُ أفكارٍ ممزّقة، 
 ‏في مكانٍ مَا اختلطتِ الأنماطُ، 
وورقةُ الأشجارِ لم تعُدْ ورَقة. 

السبت، 10 أكتوبر 2020

صلاةُ ما قبل الميلاد - لويس ماكنيس

 أنا لم أُولدْ بعْد. استمعْ إليَّ.
لا تدَعِ الخفَّاشَ يمصُّ دمِي، ادفعْ عني
أذى الفأرِ واِبْن عِرْسٍ والغولَ أحنفَ القدمينِ.

إنّني لم أولدْ بعْدُ. واسِني.
أخشَى أنَّ الجنسَ البشريَّ
في سجونِهمُ المظلمةِ يحبسونني،
بمخدِّراتِهمُ القذِرةِ يُخدِّرونني، بالأكاذيبِ البيضاءِ يُغوونني،
في الصَّناديقِ السِّوداءِ يضعونني وفي حمَّاماتِ الدَّمِ يلقونني.

أنا لم أُولدْ بعْدُ. مُدَّني.
بالماءِ يُدلّلني، بالْعشبِ ينبُت حولي، بالأشجارِ تُحدّثُني،
بالسَّماءِ تُغنِّي لي وبضياءٍ في الطَّريقِ يُرْشدني.

أنا لمْ أولد بعْدُ. اغفرْ لي.
الخطايا يقترفُها العالمُ في رُوحي،
كلماتي عندما ينطقون بفَمي، أفكاري عندما
ينهبون رشادي، خيانتي يقترفُها الخونةُ خلفي،
حياتي عندما يُجهِزون عليها بيدِي،
مَماتي عندما يعيشون حياتي.

الجمعة، 9 أكتوبر 2020

تذكَّرِ النِسيانَ - شريف بُقنه

علّقَ على كَتِفِه علبةَ صَفيحٍ كدّسَ فيها أيامَه، مَضى مَكْمُودًا كالعاثرِ في الشّوكِ يكتشِفُ الطَّريقَ، رشَقْته أغنيةٌ فسَقطَت أيامُه آحادًا تتدحرجُ في كل ناحيةٍ. جفَلَ وراحَ يجمَعُ كلَّ ما صادفَ من جنائزَ وجوائزَ وخساراتٍ وحسَراتٍ وبقيّةَ أمنياتٍ. 

صافِحِ الذكرياتِ يا صاحبي
واتركِ الأيامَ ترحلُ بسلامٍ،
لحْنٌ، قشعريرةٌ، شجنٌ، سلطَنةٌ، وجَعٌ، تَجلٍّ، اِنعتاقٌ
هكذا تَجري الأمورُ.
أن تسقُطَ في فخاخِ الغِوايةِ
وتستحيلُ الخساراتُ ندباتٍ في القَلْب، 
نحتٌ مقدّسٌ يزخرف قلبَ الناحِلِ
كورالٌ ينشدُ كارمينا بورانا:
بحرٌ متلاطمٌ من الأقدارِ ‏العبثيّةِ
ودورةُ حياةٍ لا تكفُّ عن التّكرار، 
كائناتٌ مبعثرَةٌ في كوْنٍ هُلاميٍّ
وزمنٌ مسافرٌ في قطارِ المَجْهول، 
كلُّ شيءٍ هشٌّ هنا حتّى احتمالاتُنا الطارئة.
أضعْنا الكثيرَ من الوقتِ في تنظيمِ العالَمِ
وفاتَنا أنَّ ثمّة هفوةً، ثمّةَ نَبْوَةً لم نُعِرْها ولو قليلا؛ 
لم يُخلَقِ العالمُ من أجلِ سعادتِنا
نتسكّعُ هكذا عادةً والوقتُ يتولّى البقيّة،
ساذجين، بُسَطاءَ نحبُّ السُّخريةَ والنِكات.
هكذا تجري الأمورُ.

أدب الفقد - هناء حجازي

هناء حجازي جريدة الرياض،  الخميس 9 ذو الحجة 1441هـ - 30 يوليو 2020م

 قبل أيام عندما وقفنا على القبر المفتوح أنا وإخوتي لم نذرف دمعة واحدة، أصبحنا نعرف أن بئراً بذاك العمق لا تمتلئ بهكذا ماء. فبدأنا نبكي مثلما كان يبكي هو، بطريقة مختلفة، وغريبة ومفزعة، كان الماء يدخل إلى أعيننا ولا يعود.

هذه الكلمات مقتطفة من قطعة فنية غاية في البراعة كتبها مازن سرحان في رثاء أبيه. قال في نفس النص في عبارات سابقة، منذ أن غاب جدي حسين سرحان آخر مرة في العام 1413 لم يعد، وبكى عليه زامل بطريقة مختلفة وغريبة أفزعتني، حيث كان الماء يدخل إلى عينيه ولا يعود، أصبح هذا النوع من البكاء مألوفاً لدي الآن.

كتب مازن هذه الكلمات قبل أربع سنوات، لم أرها سوى هذا الأسبوع. وشعرت بكم الحزن الذي وضعه مازن في هذا النص.. شهقت وشعرت بالماء الذي يدخل إلى العيون ولا يعود.

الجمعة، 24 يوليو 2020

نحيبٌ بعيدٌ من أفريقيا - قصائد مختارة للشاعر ديرِك والكُت


العدد -2618- السنة التاسعة والستون - الخميس 02 ذو الحجة 1441هـ - الموافق 23 يولية 2020م

منتصف الصيف، توباغو (٢)

شواطئُ عريضةٌ بسطَتْها الشّمسُ. 

حرارةٌ بيضاءُ.
نهرٌ أخضرُ.

جسرٌ،
نخلاتٌ صفراءُ مُشيّطة

من منزلِ استجمامةِ الصّيفِ 
أيامُ أغسطس الناعسةُ.

الأيّامُ التي قضَيْتُها،
الأيّامُ التي فقدتُها،

الأيّامُ التي كبُرت معي، مثل البناتِ،
أذرعي التي نذرتُها.

** ** ** **
نحيبٌ بعيدٌ من أفريقيا

ريحٌ تُقَشعِرُ جلدَة أفريقيا
السمراء، كيكويو(٣). بسرعةٍ كذُبابٍ
يسبحُ في حمّام دَمٍ فوقَ السّهابِ. 
الجثثُ مُبعثَرةٌ في الجنَّةِ.
وحدَها الدودةُ، كولونيل الجيفةُ، تبكي: 
"لا تُضيّعوا أيَّةَ رأفةٍ على هؤلاءِ
 القتلى المنفصلين!"
الأرقامُ تُثبتُ، 
والعُلماءُ تضبطُ بلا رَويّةٍ
مرتكبي السياسَة الاستعمارية. 
ما الذي يعنيه ذلك 
لطفلٍ أبيضَ في سريره مغدور؟ 
للهَمَجِ، لضحايا اليهود؟

الجمعة، 22 مايو 2020

عيونٌ مثبّتةٌ بالدّبابيس - تشارلز سيميك


كم منَ الوقتِ
يقضي الموتُ في العمل،
لا أحدَ يعلم في أيِّ يومٍ
طويلٍ سيحلُّ. الزوجةُ
الصغيرةُ دائمًا وحْدَها
تكوي غسيلَ الموت.
البناتُ الجميلاتُ يضعْنَ
مائدةَ عشاءِ الموتِ.
يلعبُ الجيران البينوكل**
في الفناء الخلفيّ أو
يجلسون على الدَّرَج فقط
يحتسون البيرةَ. الموتُ،
في هذهِ الأثناء، في جزءٍ
غريبٍ من المدينة يبحث
عن شخصٍ بسعالٍ سيءٍ،

دهْشَةُ الأطفالِ - شريف بقنه


"أوقفوا هذا العالم، أريد النزول!" رامبو


إلهي أضَعتُ
أمتعةَ أوقاتي ألهثُ وراء النجاةِ
النجاةُ من الوقتِ الذي أضَعْته،
أمضي حياتي بحثاً عن حياتي
لم أدركُ أن رحلةَ البحث
كانت حياتي.


إلهي وجَدْتُ
نفسي هنا و لا أعرفُ ما العمَل،
أظنُّ أن عليّ أن أعملَ شيئاً
و ليس لدي سوى الشَّكّ والملَل.
لا حاجةَ للطبيعة بي، ولا يُشْفِق
الوقتُ بأجَلي، و كأنه المـُراد
أن أتكيّفَ مع فزَعي،
مع الضّـآلةِ.

كيف ترسمُ بورتريه لعصفور - جاك بريفير

إلى إلسا هنريكيز

اُرسُمْ أولًا قفصًا
واترُك البابَ مفتوحًا
بعد ذلك اُرسُم
شيئًا جميلًا
شيئًا بسيطًا
شيئًا مُحبَّبًا
شيئًا ينفع العُصفور
ثم ضَعِ اللَّوحةَ بالقربِ من شَجَرةٍ
في حديقةٍ
في بُستانٍ
أو في غابةٍ رُبّما
أختبئ وراء الشّجرةِ
لا تَقُلْ شيئًا
لا تتحرّكْ قيدَ أنملة...
قد يصِلُ العُصفورُ بِسُرعة في بعض الأحيان
ولكن يُمكِنُ أن يستغرقَ الأمرُ سنواتٍ عديدةً
لذلك قبلَ أن تتّخذَ أيَّ قرارٍ
انتظِرْ