11 أبريل 2024

أفيونُ السّعادة - شريف بقنه

١
نغمّي أعيننا الشاخصة، نتوسّل 
أحلامًا قادمة ومنىً مشتهاة
ونهاراتٍ نستجدي فيها عطايا السماء. 
نغضّ الطّرف عن سرّنا الكبير
"ما أوجع أن نكون أنفسنا! 
ما أضنى أن نبقى وحيدين!" 
نكظمُ خلجاتَنا المكبوتة ونحيبنا اليائس
نؤجّل أسئلةَ الليل ومآزقَنا الوجودية
لتغشانا لحظةُ النشوةِ الموغلة
نبتسمُ ملء شدقينا، سُذّجًا كسالى 
دهاةً وأذكياء، ندفعُ الوقت 
بابتسار اللذة. 

٢
سلبَ الانتحارُ أرواحًا حيارى
وتولّى الشرابُ والشيطان البقية* ، 
شربَتنا السعادة وأدمنّا أفيونها 
لذةٌ، شهوةٌ، شهرةٌ، ثروةٌ وفجور.
نكثت اليوتوبيا وعدَها ومن حينها 
نذرنا عداوةَ أنفسنا ودوزنّا 
لحنَ الشقاء، سفكنا دمَ الحواس 
على أسفلت المُدُن وهرْوَلنا
مهووسين، مُسبّحين بالمتعة 
ومضحّين بقربان النّزوات. 

٣
 شربتنا السعادة ولن ترتوي، 
 تظل تشربُنا لنظمأ ونمعن 
النّظَر في القشور،
نزدري كُنهَ المعنى! 
ونهدم برج التفاسير.


شريف بقنه

_______________
* "أخذ الانتحار الكثير. تولى الشراب والشيطان البقيّه" روبرت لويس ستيفنسون

08 أبريل 2024

بيانو - إدغار كونز

جمعتُ ما انكسَر منه
بقدر ما استطعت؛ قالت

لكنّه توقف عن العمل،
توقّف عن المُضي قدُمًا.

كان كما ورقة المنديل
تتمزق على صفحة الماء.

كما الدخان يضيع في
قبضتي، الأمر لا يتعلّق بك

يا حبيبي. رحلت عندما
كان عليك الرحيل.

قابلتُ امرأةً ذات مرةٍ
تعمل عازفةً للبيانو.

قالت أنه عملٌ صعب.
الأدوات، الخطوات والتأثير.

الأذنُ المطلوبة. إلا أنني أحبه،
أردفت، إلا أنه عملٌ وحشي.

بمجرد ما ابتعد عنه ولو للحظات
يخرج كل شيءٍ عن النوتة.

____________
 ترجمة شريف بقنه 
* إدغار كونز Edgar Kunz شاعر أمريكي معاصر. أصدر مجموعة شعرية العام ٢٠١٩، نشر في العديد من المجلات المرموقة أمثال ذا نيويوركر، نيو انجلند ريفيو وناريتيف. حصل على زمالات وجوائز من الصندوق الوطني للفنون، ومجلس ولاية ماريلاند للفنون وجامعة ستانفورد وغيرها.
"Piano” Edgar Kunz from The New Yorker, October 31, 2022

04 أبريل 2024

حافةُ الغابة - شريف بقنه

يعودُ لحجرتِهِ في المساءِ،
يعودُ منَ المدينةِ الهائلةِ.
لا يكتفي بخلعِ قميصِهِ الرسمي،
بل يخلعُ عن رُوحِهِ أرديةً عديدةً
يخلعُ البسماتِ المتكلّفةَ، والنظراتِ الحذرةَ
الجدّيةَ المُفتعلةَ، والإشاراتِ الشاردةَ
ينفضُ قشورَ التملّقِ، وينزعُ جلدَ التزلُّفِ
يُعلّقُهُ على شمَّاعتَهِ.
كم رداءٍ عليهِ أنْ يخلعَ ليلتقيَ بنفسِهِ؟
كم رداءٍ يرتدي من أجلِهم كلَّ نهارٍ!
أرهقتْهُ المدينةُ الهائلةُ، وطوّقتْهُ
من قبْل أسوارُ عزلته.

كان قدِ اختارَ عزلةً تشبهُ حياةَ النُّسَّاكِ،
لكنْ ضلَّ الطريقَ، وعلِقَ في حافةِ الغابة
حبستْهُ نفسُه، وتشابكتْ أمامَهُ أغصانُهَا.
وجدَ أنَّهُ أكثرَ تعقيدًا من أن يُخضعَ نفسَهُ!
وجد تربةً قاتمةً غائرةً في صميمِ ذاتِه
معادنُ نبيلةٌ وبراثنُ سامةٌ وكمائنُ.
فآثرَ الفرارَ صوبَ المدينةِ الهائلةِ
ملتمسًا الصُلحَ البائنَ،
بيْدَ أنَّ المدينةَ مسرحٌ مكتظٌّ بالأقنعةِ
والجميعُ ممثلون.

هكذا يرتدي أدوارَهُ كلَّ صباحٍ
يستنزفُهُ اللثامُ وتسحقُهُ المادة.
يصعدُ قطارَ الحضارةِ مشمّرًا
مقتحمًا القرنَ الواحدَ والعشرين.