19 أبريل 2024

غداءٌ عائلي - لي يونج لي

يُعدّون في الباخرة سلمون مرقّط
متبّل ببلورات الزنجبيل، والقليل
من البصلٍ الأخضرٍ وزيت السمسم.
سنتناوله غداءً مع الأرز ،كلنا
أخوتي وأخواتي، وأمّي التي
ستتذوق أحلى رأس سلمون،
تمسكه بين أصابعها بحذاقة،
بالطريقة التي أمسكه أبي
منذ أسابيع. ثم استلقى
نائمًا مثل طريقٍ مغطىً بالثلوج
يتعرّج بين أشجار صنوبرٍ شاخت،
دون أي مسافر، وحيدًا لا ينتظر أحدًا.
________________
ترجمة شريف بقنه
* لي يونغ لي Li-Young Lee شاعر أمريكي معاصر. ولد في جاكرتا، لأبوين صينيين. حصل على عدد من الجوائز الأدبية منها جائزة الكتاب الأمريكي وجائزة وليم كارلوس ويليامز.(١٩٥٧- )
* العنوان الأصلي للقصيدة Eating Together بمعنى نأكل سويّةً.
"Eating Together” from Rose by Li-Young Lee, 1986 BOA Editions Ltd

الشاعر - شريف بقنه

مِثْلُ راهبٍ ينصتُ للصّمت
أمضى الليالي في انتظارِ
معجزةٍ أو ملاك،
حتى أصبحت يدُه قصبةً
وجبهتُهُ ساحةَ حرب
وفاضَ قلبُهُ بحزنِ المراثي.

زمنٌ يعود إلى الخلفِ بالحركة البطيئة،
وهو يسير على شعرةٍ متقصفةٍ
بينَ الفنِّ والعبَث
يُروّضُ الوحشَ النائمَ في أناه
يتفقّدُه، ويمضي واثقًا بصرامةٍ
لا يسلُبُ إيمانَهُ أحدٌ.

يُخرِّبُ، ينقضُّ وينقلبُ
يسقطُ في قعرِ جحيمٍ باردٍ
يقوّضُ ذاتَهُ ويعود طفلًا جديدً
لا يلبثُ أن يشيخَ
في غُمّةِ الأبجديةِ والدلالة،
يضِيقُ ذرعًا بالكلمات
كلما حاصرتْهُ معضلةُ المصيرِ والضميرِ،
تسقطُ في جوفِهِ جمرةٌ ويجفُّ نهرٌ
وكلّمَا شقّتْ عليهِ المسألةُ
كلّما تشبَّثَ بها.

يطوي السِّنينَ في داخلِهِ
يتشنّجُ في نوباتٍ مازوخيةٍ
يستأنسُ بالجرحِ، يُفتَنُ بالذُّعرِ
وينهمكُ في نوائبِ الدَّهر.
يخرجُ بعد كلِّ شيءٍ جريحًا
زاهدًا في ألمِهِ، موقنًا بأنّه فعلَها
ورغمَ مخاضاتِهِ وعثراتِهِ
رغمًا عن النَّدمِ والبلاءِ والرَّوعةِ
لايزالُ يتركُ بابَهُ مخلوعًا للَّيلِ
في انتظارِ جنّيةٍ أو نبيٍّ.

سانتياغو، كاليفورنيا
١٤ نوفمبر ٢٠٢٣

11 أبريل 2024

مكانٌ شِبه عادي - شريف بُقنه

١
في مكانٍ شبهِ عاديّ
تلتقي بك طفلًا هائمًا بحاجة البكاء، 
تذوبُ في أثيرِ الوقتِ
في هذا الزّلال السَّائح
تسألُ الفراغَ عن كنهِهِ ولونهِ وغايتِهِ.
كيف ابتلعك، وإلى أين يأخذك، ولماذا عليك 
أنْ تقفَ أعزلَ في مواجهةِ العدَمِ وتتوسمَ الخيرَ مِن حولِك؟
فيخبرُك عن طيورٍ تحمي أعشاشَها في أعالي الجبال 
وكائناتٍ مِجهريةٍ تقبعُ مستعمراتُها في قِيعانِ المحيط 
يرسمُ لك دورةَ الماءِ والغيمِ والظِّل 
ويفسّرُ قوةَ الطّردِ المركزيِّ للأجرامِ
يقضي بعدالةِ الحربِ، وعشوائيةِ النّكباتِ 
ومجانيةِ الصُّدفِ والمسرّاتِ 
يخاطبُ جدليةَ الإرادةِ الحرة 
وأصالةَ الوجودِ، وأزليةَ الآلهةِ. 
أخيرًا 
يعرضُ عليكَ الفوزَ بالعادي المتاحِ
والاحتفاءَ بالعيشِ 
رغبةً مهدورةً بين أضلاعِك 
 لا تتشبثُ سوى في البقاء. 

٢
كيف تقبضُ على المعنى وأنتَ 
تطرقُ "الأبوابَ منَ الداخلِ" 
تتشبّثُ في المُطلقِ طويلًا
تظنُّ أنّك تفكُّ شفرةَ الغيْب، 
وكلُّ ما تفعلُه وما تظنُّ أنك فعلتَهُ 
شتاتٌ لرُوحِك وبطولةٌ في نفسِك، 
ثمةَ حتميةٌ تبشمُ بجبروتِها على قرارِك 
تسقطُ بظلالِها الفرسخيةِ على نورِ تصوراتِك 
"الأمرُ الواقعُ مذبحُ الإرادة"*.

شريف بُقنه


_______________
*اقتباس لنيتشه