الجمعة، 26 أبريل 2013

قراءة في قصيدة النثر السعودية د. أيمن بكر (ملتقى جازان الأدبي)

قراءة في قصيدة النثر السعودية (بحث)-  د. أيمن بكر
1- مدخل لجماليات قصيدة النثر
نحاول أن نقترح هنا مدخلا لمقاربة جماليات قصيدة النثر، وأود الإشارة إلى تنكير كلمة "مدخل" في الجملة السابقة؛ حيث لا يظن الباحث أن ما سيتم تقديمه هنا هو "المدخل" الأصح أو الأفضل.
يبدو لي أن طبيعة إدراك العالم لدى جيل من شعراء قصيدة النثر، يمكنها أن تمثل منطلقا محتملا للتعرف على ما يميز القصيدة من جماليات تبدو عصية على الكثير من الباحثين حتى يومنا هذا. إدراك العالم؛ أعني به تحديدا الطريقة المخصوصة التي يستخدمها الشاعر في فهم العالم: ظواهره وعلاقاته وقوانينه الاجتماعية..الخ، تلك الطريقة التي على أساسها يتفتح العالم في وعي الشاعر ثم يتجلى في النص الشعري. بعبارة أخرى: ما مميزات أسلوب الوعي الذي يستخدمه كثير من شعراء النثر في إدراكهم للعالم؟ وكيف يتجلى هذا الأسلوب في النص الشعري؟.
من الواضح أن هناك افتراضات ضمنية ينطلق منها البحث، أهمها افتراض وجود علاقة بين أسلوب الوعي بالعالم وجماليات النص الشعري، وهو الافتراض الذي يبدو أن البحث كله يقوم عليه.
ولكن من أين سيبدأ الباحث؛ هل من الوعي إلى النص أم العكس؟ أحسب أن مثل هذا السؤال لا يليق مع حالة التعقد التي سيصف بها البحث وعيَ شعراء النثر الذين تعرضت لهم؛ حيث لا يمكن للحركة النقدية أن تتخذ طريقا أحادية من أ إلى ب؛ كأن يتحرك الناقد من الصورة الشعرية إلى العالم، أو من العالم إلى النص الشعري. المقاربة يجب أن تتمتع بدرجة من التعقد تتوافق إلى حد ما مع درجة تعقد الوعي المطروح في النص الشعري النثري. من هنا ستكون الحركة أشبه بخارطة أطلب من القارئ أن ينظر إليها كلها في لحظة واحدة؛ أي ألا يركز عينيه على مساحة منها مهملا باقي تفاصيلها. إنها محاولة نقدية تسعى لأن تكون تجريبية.
ولكن التجريب - في النقد خاصة - لا يعني غياب القواعد الاتفاقية بين الباحث والقارئ؛ حيث يجب أن يعلن الباحث منهجه في القراءة حتى يمكن أن يقوم اتفاق بينه وبين القارئ على أسلوب التحليل، بغض النظر عن أي نقد يمكن أن يقدمه القارئ لهذا المنهج بعد ذلك.
وطريقة التحليل التي سأتبعها لن تحاول تقديم كل شيء ممكن في النصوص التي أقف عندها بالتحليل، بل سيكتفي البحث في فقرته الأولى - الخاصة بالتركيب التناقضي للصورة – بالوقوف عند الصور أو التكوينات التصويرية التي تعبر عن الفكرة البحثية المطروحة، في حين سيحاول في الفقرة الثانية –الخاصة بفكرة العزلة- أن يدخل إلى حيز التأويل مفيدا قدر الممكن من تحليلات الفقرة الأولى.
2-  تعقد الوعي/ تناقض الصورة
أحسب أن وعي شعراء قصيدة النثر الذين تعرضت لهم في المملكة العربية السعودية يمتاز بدرجة لافتة من التعقد الإيجابي في إدراكه للعالم، وأخص حال التراكب الفكري والشعوري تجاه الأشياء والظواهر بما يمنع من سيطرة إحساس أحادي عليها. أتحدث هنا تحديدا عن أشياء وظواهر متفق عليها ثقافيا بصورة أحادية نهائية ومريحة. لا أحد منا يستخدم كلمة الوحوش في سياق إيجابي، جميعنا يحملها دلالة أحادية نهائية وسلبية بالضرورة، لكنها لدى أحمد كتوعة توضع في تركيب يربك هذه الأحادية الدلالية ويهز اليقين الساكن خلفها يقول كتوعة في قصيدة جرف:
طريق البيت
وحوش مقمرة
ووحشة مستأنسة ([1])
كيف يمكن أن تكون الوحوش مقمرة، القمر هو الضوء، كما أنه مرتبط في تاريخ القصيدة العربية بالحبيبة التي تمثل مصدر إنارة لحياة المحب وروحه، هنا يلتصق الوصف "مقمرة" بالوحوش، ويبدو هذا الجمع بين مفهومين متناقضين على مستوى الثقافة فاتحا لمساحة تساؤل واسعة: هل يمكن حقا أن تكون الوحوش مقمرة؟ والإجابة: نعم، فنحن ملتزمون بالواقع النصي، وغايتنا هي مقاربته لا إنكاره. الوحوش مقمرة في قصيدة أحمد كتوعة لا شك. والسؤال التالي يبدو لي هو الأهم: كيف تكون الوحوش مقمرة؟ هنا يمكننا التحرك خارج النص إلى الثقافة والوعي كليهما.
الوحوش مفهوم ثقافي/ اجتماعي، وتجدر الإشارة إلى أن كلمة الوحش على المستوى المعجمي لا تتطابق مع الحيوان المفترس، فكل حيوان أهمل حتى أصبح غير أليف أو مستأنس هو وحش، حتى إن كان غزالا. الوحوش أيضا مفهوم غير أحادي، ولكنه معقد بطريقة أخرى على مستوى الثقافة المعاصرة. فالوحش دائما مصدر للفزع، والقبح، وتهديد الحياة، وهو كذلك كيان تشكله الخرافة بأكثر مما تتدخل في صياغته خبراتنا المباشرة (فقد انتهت علاقتنا المباشرة بالوحوش منذ قرون طويلة). الوحوش إذن مفهوم ثقافي خرافي أكثر من كونه مفهوما اجتماعيا نتج عن خبرة حياتية مباشرة. ولذلك فهو مفهوم ينتمي لمساحة المستقر المفهوم بصورة نهائية.
هنا يأتي التناقض في تكوين الصورة ليربك هذا الاستقرار المفاهيمي، وليفتح احتمالا ترى الثقافة أنه مغلق؛ احتمال أن تكون الوحوش مقمرة.
يمكن للصورة التالية أن تساعدنا في فهم هذا التركيب المقلق، حيث يربط الشاعر بين الوحشة والاستئناس. وهو ربط غير منطقي، ويبدو قريبا في غرابته من علاقة الوحوش بالقمر. فمنذ متى كانت الوحشة التي هي ضد الاستئناس أليفة. الوحشة هي انتفاء الاستئناس والاستئناس هو الألفة والأريحية والاطمئنان، وكلها معان تبدو نقيضا للوحشة وغير قابلة للاجتماع معها. أليست الصورة مربكة بالقدر نفسه الذي تكون به الوحوش مقمرة؟
يبدو أننا أمام وعي معقد ويستخدم تعقده في مناوشة الثقافة السائدة وإقلاقها. كأن الشاعر يقول: أنا قادر على أن أرى في الوحوش مصدر إنارة، وأستطيع أن أكتشف في الوحشة نقيضها. أو كمن يقول: لا سبيل للقبول بالتصورات الأحادية المستقرة والنهائية حول الأشياء والمفاهيم، تعالوا إلى طريقة أكثر عمقا يمكنها أن ترى في الشيء نقيضه، وأن تدرك في الظاهرة أبعادا مختلفة.
نحن هنا أمام حالة رفض جمالي للمبتذل الشائع المستقر، وهو ما يتناقض مع التصور الرائج عن قصيدة النثر أنها تركز على التفصيلي واليومي والعادي. هناك فروق مراوغة فيما أستخدمه من مفردات؛ فليس المبتذل الشائع المستقر هو نفسه التفصيلي اليومي العادي، لكن القراءة السريعة قد تساوي بينهما، فشعراء قصيدة النثر يستخدمون العادي واليومي من المفردات والمشاهد والأفكار والتعبيرات، لكن مبتعدين عبره عن الشائع والمستقر والمبتذل.
يبدو لي أن النص الشعري نفسه على وعي بالفرق بين اليومي والتفصيلي من جهة وبين الباهت والسطحي والتقليدي والشائع من جهة أخرى. يقول إبراهيم الحسين:
كلمات مثل: روح، عندما
وأخرى…
صرت – مؤخرا – أطاردها
في المضائق
حتى تصبح بعيدا خارج الورقة
كلمات أخرى تقف بعيدا
بقرونها تنظر إلى الطرائد
فلا تجرؤ على الاقتراب ([2])
الشاعر يصف حالة الكتابة، لكنه يصفها عبر رغبة عميقة في تحقيق المغايرة للسائد والمستقر والشائع، إنه يحاول وصف حالة الرفض للمبتذل المكرر الباهت والسعي لتخليص القصيدة منه، وفي الوقت نفسه حماية النصوص (الطرائد) من الوحشي الغريب الصادم. يبدو أنني لم أستطع تجنب التأويل في محاولة إثبات الفكرة، هل كان بإمكاني تجنبه؟
يمكن التمثيل لهذا الوعي المركب الذي يجمع تناقضات مربكة للسائد في نص إبراهيم الحسين "أي عيد". يقول:
في العيد
نزين الدار
فنعلق الجروح
وننطلق إلى ظل الحلم ([3])
ما أود الإشارة إليه هنا هو التناقض الذي يبدو طبيعيا بين العيد والزينة من جهة والجروح من جهة أخرى. هل يمكن أن تصبح الجروح زينة؟ وهل يمكن ألا تكون زينة العيد في وعي لا يرى في الأشياء جانبا واحد، بل لعله يسعى طوال الوقت ليصدم ثقافته الراكدة بما يراه من إمكان التناغم – وربما التكامل - بين الأضداد؟ هكذا يمكن التعامل مع تراكيب من مثل: مرارة طازجة/ ذباب أنيق/ الثياب المبللة بالحكمة والحماقات/ الضياء حائط ([4])
لكن التناقض قد يكون على مستوى صورة أوسع، ربما يتشكل التناقض المتراكب على مستوى مشهد تصويري أكثر تعقيدا. لنقرأ هذا المشهد لدى محمد الحرز:
على الطاولة ثمة كهف
قابع لا زال
يعد مائدة الظلام
للجالسين .. لكن
كيف استحال الجالسان
نجمتين مضيئتين؟! ([5])
أين التناقض المنسجم هنا؟ يبدو لي في حالة الامتزاج الفذ بين الظلام والضوء في حالتيهما القصوى؛ الكهف يمثل حالة قصوى للظلام، ثم يتحول الجالسان نجمتين ممثلين بذلك الحالة القصوى للضوء، كلاهما مجتمع حول مائدة، بحيث يبدو أن الظلام ينسكب انسكابا من الكهف بما يكاد يغمر كل ما يحيط به، هنا تبزغ النجمتان، كأنهما كيانان مضيئان في قلب الكهف أو في قلب الظلام المنسكب منه، أليس هذا هو الوضع الطبيعي للنجوم؟ ألا تتواجد دوما في قلب ظلام دامس؟ أليس هذا اجتماع متجانس للمتناقضات، يمر علينا دون أن نراه كذلك؟ على القارئ الآن أن يدرب خياله كي يتعامل مع هذا الحضور الفذ في تناقضه وانسجامه.
التناقض ليس مقصورا على حالته الحادة التي توقفت عندها فيما سبق سواء في الصورة المفردة أو في المشهد الأكثر تراكبا، بل لعل التناقض مخبوء في المنطق الذي يطلب منك النص أن تتبناه كقارئ في تعاملك مع عالم القصيدة؛ بعبارة أخرى، قد يكون التناقض قائما بين ما يراه النص طبيعيا أو بعضا من طبيعة الأشياء في العالم، ويطلب منك أن تراه كذلك –على الأقل في لحظات قراءتك للنص – وبين ما تراه أنت طبيعيا استنادا إلى منطق العالم المعيش كما درجنا على تعلمه. التناقض هنا هو حالة تسم وجود الأشياء ولا غرابة فيما يراه الشاعر توافقا بين عناصر الكون التي تبدو لنا متناقضة لا اجتماع بينها إلا في حالة الصراع. التناقض إذن موجود وغير موجود؛ موجود كحالة وعي وأسلوب تفكير، وغير موجود في العالم كما يراه وعي شعراء قصيدة النثر، الوعي الذي يشتركون فيه مع كثير من الفلاسفة([6]).
التناقض الذي تناولته الفقرة السابقة يخفي تناقضا آخر مع السائد ورغبة في التحرر من قيوده المجتمعية والفكرية والسياسية، والقصيدة بطبيعتها الجمالية تحاول أن تصنع إرباكا للرؤى المستقرة التي تدعم الكيانات الفكرية والجمالية القائمة. لكن ألا يمكن أن نرى في هذا الإرباك نوعا من التحرر؟ ألا تعد مناقضة السائد المستقر محاولة لتحرير الوعي من الركود والتعفن تحت وطأة كل ما هو متكرر من صور شعرية ومن تصورات عن العالم والحياة من حولنا؟
3- العزلة/ سمة جيل
المناقضة التي يستشعرها هذا الجيل هي سبب في العزلة ونتيجة لها في آن، البداية هنا غير معروفة: أيهما قاد إلى الآخر؛ هل العزلة قادت للتناقض مع الثقافة المحيطة، أم أن التناقض هو نقطة البداية وهو ما قاد إلى العزلة؟ أحسب أن الأمر مزيج معقد من الحركتين معا، فشعراء هذا الجيل لم يبدءوا واعين بتناقضهم تماما وكذلك لم ينشئوا في عزلة مفروضة عليهم، بل لعل الأقرب أنهم حملوا بذور التناقض والعزلة معا، فكان كل منهما غذاء للآخر، ولنتخيل حركة الوعي لديهم بهذه الطريقة: أعي قدرا من التناقض مع المحيط الذي أعيش فيه، ولعل قليل من العزلة يفيد في فهم هذا التناقض وإزالته. ثم إن العزلة تكشف عن درجة أعلى من التناقض الذي يقود بدوره إلى مستوى أعلى من العزلة.
لكن كيف يمكن للعزلة أن تتجسد في النص؟ ما أشكال حضورها؟ وكيف يؤكد هذا الحضور حالة التناقض؟
هناك صورة مباشرة للعزلة تستخدم المفردة نفسها "العزلة" وهذا الحضور المباشر لا يعني أن الطرح الجمالي مباشر أيضا، بل لعل هذه المباشرة تحاول أن تمثل صدمة للشعور المستقر بالاندماج والتأقلم. يقول أحمد كتوعة في قصيدته "عزلة"
الغريب
الذي يمطر وجهه الكآبة تحت سقف المدينة المضاء
معتبرا احتساءه الصلابة جزءا من طقسه العادي
يستند وقفا على مشاغله الصغيرة وينظر في البعيد
ليكنز شيئا من الدفء
يحتمي بعزلته ([7])
العزلة ليست أمرا مبهجا، إنها وليدة الغربة، أو هي نتاج حتمي لها، الغربة سبب في الكآبة والبرد، واحتساء الصلابة هو جزء من شروط العيش، لكن العزلة تبدو الخيار الوحيد أمام الغريب، إنها الشيء الوحيد الذي يمثل حماية له. العزلة أمر حتمي لا سبيل لتجنبه، كما أن الاغتراب أمر حتمي لا سبيل لنفيه.
مفردة العزلة تظهر أيضا في عنوان قصيدة شريف بقنة "مدن العزلة"، يقول في بدايتها:
موسيقى تغسلني في الليل
كائنا كونيا
كل يوم عنده
عالم بأكمله
أولد في أوله
وأموت عند ساعة الصفر
أرمي برباط عربتي إلى النجوم
لو أكتفي بهذه الأرض
وأترك ذلك الكون مخذولا في صدري([8])
بداية القصيدة تعلن موقع الشاعر على خريطة الكائنات، هو لا يستطيع سوى أن يحيا في كونه الخاص، لا يمكنه سوى أن ينظر إلى السماء بعيدا عن الأرض التي لا يقدر على الاكتفاء بها، العزلة والكون الخاص الذي يخلقه الشاعر هو ملاذه وملجأه الوحيد.
وكذلك تتردد مفردة العزلة دوما منسوبة إلى ذات الشاعر أو الصوت التخييلي في القصيدة كما في قصيدة حمد الفقيه "على طريقة لوركا حين يقول:
لكنني لست لوركا
لأقرع نوايا الآخرين بعصا حدسي
ولعل الأمر يعود في هذا إلى أنني علقت جسدي بسقف العزلة
لأذهب مع كل هبة حتى أقاصي الحنين([9])
إنه يرفض فرض حدسه/ وعيه/ شعوره على العالم وهو على وعي بسبب رفضه؛ إنه معلق بسقف عزلته، وهو من فعل ذلك، العزلة اختيار مميز.
هل يمكننا الآن القول بأن الشعور بالعزلة والاغتراب هو جزء مكون - وربما معرِّف - لتجربة شعراء قصيدة النثر، إنه حاضر بدرجة عالية من الحدة أظنها تتيح لنا أن نجعله سمة مميزة لقصيدة النثر لدى هذا الجيل. صحيح أن الغربة والمنفى والعزلة هي معان متكررة عبر تاريخ الشعر العربي، لكن أحدا – بما في ذلك شعراء التفعيلة- لم يجعل العزلة الناتجة من الاغتراب هي الملجأ الذي يحتمي به كما فعل كتوعة ومجايليه.
يقول عيد الخميسي في قصيدته "بقع":
التي ظلت تنجب أطفالا موتى لفترة طويلة
ظل زوجها يذهب بلفافات الأرواح البيضاء إلى المسجد
ثم يدفنهم بالمقبرة ويتلقى التعازي
لفترة أقل
منذ المرة الثالثة كانت التي ظلت تنجب أطفالا موتى
تدفن أطفالها في ذات المكان الذي اغتسلت فيه طفلا
لم يلحظ الأنين ولا البقع غير المنتظمة في (صبة) الحمام…
كما لم يلحظها المستأجرون الجدد بعد ذلك
هذا نص مشكل؛ عن أي شيء يتحدث؟ وما المعنى الذي يريد توصيله لنا؟ وبداية أحسب أن هذا النوع من التساؤلات هو بداية خاطئة لمقاربة مثل هذه النصوص. وبغض النظر عن قصدية الشاعر التي ستظل حبيسة صدره، نحن أمام تكوين لغوي تصويري إيحائي يتعين علينا أن نبذل الجهد للتواصل مع محتوياته الجمالية/ الشعورية/ الفكرية..الخ.
نحن أمام تصوير لامرأة ظلت تنجب أطفالا موتى، لكن زوجها الذي مل الذهاب بجثثهم إلى المسجد ثم إلى المقابر، يتوقف عن ذلك، فتلجأ هي إلى أن تدفن أطفالها في "ذات المكان الذي اغتسلت فيه طفلا" هذا خروج للحياة من المكان نفسه الذي أصبح يقطنه الموت. لكن كيف يمكن تأويل ذلك في حدود أفكار العزلة والاغتراب؟
أحسب أننا أمام حالتين: الأولى هي حالة اعتياد كوارثي شديد القتامة لأم تدفن أطفالها باستمرار، ولا تتوقف مع ذلك عن الإنجاب، هذه الحالة تتناغم مع حالة الذهول والغفلة التي تميز سكان المكان الذين لم يلحظوا "الأنين ولا البقع غير المنتظمة في صبة الحمام" كما لم يلحظها الطفل الذي يشير إلى الذات التخييلية المتكلمة في القصيدة. هذه حالة موت اعتاده الجميع ولم يعد أحد ينتبه لعلاماته، الجميع مستقر دون التفات للأنين ولا للتعرجات الخفيفة في أرضية الحمام. الأحياء الذين يقطنون المكان يتمتعون بالبلادة والقسوة والغفلة، إنهم في النص صامتون منعدمي الملامح لا يصدرون أي صوت، في حين توصف الأرواح الصغيرة للموتى بأنها بيضاء، وهم مع موتهم يصدرون أنينا لا ينتبه له من يفترض فيهم أنهم أحياء. من الميت هنا: هل الأطفال أم سكان المكان؟
في المقابل هناك وعي شعري يكشف عن الموتى الأحياء الذين يصدرون أنينا لا ينتبه له أحد، وعن الأحياء الموتى الذين يقطنون المكان. وعي شعري كان جزءا من حالة الاعتياد والخمول والبلادة، حين كان طفلا (حيث أظن الضمير يعود في قوله "لم يلحظ.." على المتكلم حال كونه طفلا) لكن هذا الوعي هو من يقف الآن منتبها لما يحدث ولا يراه أحد.
هل يمكننا أن نخرج من هذا التشابك الجمالي باختزالات دلالية؟ الشاعر هنا يرسم حالة شعورية يمكنها أن تنطبق على ثقافة/ أمة/ واقع/ تقاليد/ أعراف..الخ ثم هو ينعزل عن هذه الحالة ليرى ما لا يلحظه المنغمسون فيها. العزلة هنا هي عزلة رؤية ووعي وهي ناتجة عن التناقض مع المجموع المستقر وغير القادر على الإحساس كما يصفه النص. صحيح أن التصوير قاتم ومكئب لأم/ أمة/ ثقافة أطفالها موتى، وسكانها لا ينتبهون لموتهم، لكن هذا التصوير القاسي يصف وقع الثقافة المستقرة والمسيطرة جماليا وفكريا على وعي الشاعر بما يبرر عزلته.
الشواهد جمة على حالة العزلة التي يولدها الاغتراب، ولعل وجود هذه المساحة في وعي الشعراء أدت إلى تركيز جانب من القدرات التخييلية والتصويرية لديهم على محاولة تجسيد العزلة وما يكمن خلفها من أحاسيس الاغتراب والانفراد. من هنا يبدو من الممتع للناقد أن يتتبع كيفيات تشكل هذه الحالة ضمن قصائد عدد من شعراء النثر.
وسأقف عند العزلة والاغتراب المسبب لها بوصفهما من أسباب وقوف شعراء قصيدة النثر عند الهامشي والتفصيلي من مفردات الحياة، المفردات التي طالما تعالى عليها رواد شعراء التفعيلة المهمومون طول الوقت بالمعاني الكلية والقيم العظيمة والمجردة.
يقول إبراهيم الحسين في قصيدة بعنوان "منشفة":
منتصف الليل يبدأ
أقبض على منشفة كبيرة
أمسح نوافذ المدينة كلها
أعود إلى غرفتي
ألقي جسدي إلى مقعده  
لصق النافذة
أواجه هذا الليل وحيدا
بانتظار الصيحة ([10])
ويبدو لي أن اختيار الشاعر لعنوان القصيدة "منشفة" يحمل أهمية خاصة، فالعنوان هنا جزء من القصيدة، إنه يركز انتباه القارئ على إحدى مفردات النص بوصفها مفردة مهمة، كمن يقول للقارئ: انتبه ياعزيزي؛ فالمنشفة التي سيأتي ذكرها في القصيدة ليست شيئا عابرا، وعليك الانتباه لها. حسنا.. ما الذي تفعله المنشفة في النص؛ إنها تمسح نوافذ المدينة كلها، وإن شئنا الدقة؛ يمسح بها القائل التخييلي في النص نوافذ المدينة، ثم يعود إلى نافذته وحيدا. ما أهميتها إذن؟ ما أظنه هو أن هذا الكائن الوحيد بصورة ملحوظة، يمر على النوافذ ليجلوها مانحا الفرصة لنفسه وللآخرين في الوقت ذاته لكي يرى كل منهما الآخر، إنه كائن مغترب، يتخذ خطوة إيجابية في محاولة كسر عزلته، ثم يجلس بانتظار صيحة ربما كانت صيحة ديك الصباح المؤذن عن وجودٍ آخر يمكنه كسر العزلة.
وبعيدا عن التأويل، هناك حالة من العزلة التي تمت صياغتها عبر تصوير مدينة زجاجية تبدو في النص صامتة، لا يجرح صمتها هذا إلا صوت المنشفة الذي يئز في زجاج النوافذ، المنشفة إذن هي كيان هامشي في العالم، ومهم في النص الذي ينهض على حالة العزلة بالأساس، فهي هنا أداة مقاومة يمكن لفعلها أن يغير مصير الكائن.
يقول الشاعر محمد الدميني في قصيدته "ملاك الحسرة":
سلاما
أيها المفكر
لقد انتهت الحفلة وانتصبت الأشباح
وقريبا سيحدث الموت أمام عينيك
وستندلق عليك المواعظ الطويـ..
الطويـ ..
الطويلة
من المنابر المجاورة
ستصنع القصائد من الرمل
وفي الحيرة ستبنى البيوت
وعلى القضبان ستنتحب خيولنا المتعبة ([11])
العزلة نفسها قائمة في الأسطر السابقة؛ حيث تبدو حالة الاحتفال وقد قاربت على الانتهاء، وبنهايتها تنطلق الأشباح، ويبدأ الكائن الشاعر / المفكر/ المثقف/ في انعزاله، وتبدأ الثقافة المحيطة التي تمثل الحالة الطبيعية (أي الحياة المعتادة خارج حالة الاحتفال) تبدأ في تأكيد عزلة الكائن بسكب المواعظ الطويلة بصورة مملة، جسَّد إملالها تقطيع الكلمة على ثلاثة أسطر، في المقابل تسيطر حالة من الإجهاد والعبثية على وعي الشاعر الذي يصوره وصف القصائد المبنية على الرمل، قصائد هشة أمام حالة الاقتحام والإملاء المنبرية التي تصيح بها ثقافة بأكملها، ولا إقامة لوعي الشاعر إلا في بيوت تبنى في أرض الحيرة والتساؤل والإحساس بفقدان البوصلة. الخيول أيضا تكشف عن السياج الذي يحيط بالكائنات المفكرة، السياج الذي عندما تقف عليه الخيول تكون قد أنهكت، بما يضمن بقاء هذا النوع من الكائنات في عزلته خلف أسوار صنعتها له الثقافة المحيطة.
من المدهش في الأمثلة السابقة سيطرة حالة من اليأس قرينة بالعزلة والوحدة والاغتراب، حالة من اليأس الذي يمثل مستراحا وملاذا كالعزلة، يمكن أن نلمح المعنيين في قصيدة عبد الله السفر "ها أنت على المشارف". يقول:
ماذا كنت تظن، وأنت تترجل في الغبار، وتدفع بقدميك في أرض تميد.. حراسك الوحدة وبضعة وجوه تستحضرها من همس الورق بحبر باهت؛ يخفى.. يتخفى حتى عنك. أتظنه العمر. ([12])
الذات الشاعرة هنا تتجسد راجلا يضرب بقدميه في أرض غير ثابتة، وتأتي الوحدة هنا كحارس أمين، تماما كالعزلة التي يلجأ إليها الكائن في قصيدة أحمد كتوعة. يكمل الشاعر نصه بما يفضح حالة اليأس قرينة الوحدة والغربة. يقول:
تقف بجناحين ضاويين، وسريرة مشقوقة نثارها بعدد أوراق التقويم محقونة بالخيبات لانتظارٍ ما عاد انتظارا سوى أنك تعودت على طعمه المر كشايك الذي تقترفه كل صباح مخلوطا بمرارة التكرار ومقعد الوظيفة، سترة الأولاد ولقمة الحياة. تتعقل كثيرا قبل أن تركل المقعد وتلتمس هواء الجنون لمرة واحدة وحيدة. تدفع بالمتكأ وتهمس للريح أن تضمك، تطويك إلى غير هذه الأرض.([13])
الرغبة أن تضمه الريح وتذهب به إلى غير هذه الأرض تفضح الاغتراب، واحتساء الشاي بصورة منتظمة مملة بما يشبه الجرم "اقتراف"، والخضوع للتكرار ولمقعد الوظيفة يفضح إحساس الذنب الذي يستشعره لأنه استسلم للنمط المحيط وللحياة في صورتها الأكثر تقليدية، والأجنحة الضاوية تكشف عن هزيمة هي الوجه الآخر لليأس. يحطب كل ما سبق في حبل العزلة التي تبدو قدر الكائن الرافض للاندماج ضمن ثقافته.
لكن يبدو أن الشعور بالاغتراب وما ينشأ عنه من شعور بالعزلة– بدرجة أو بأخرى- هو قدر المثقف الحقيقي، المثقف الذي يأخذ على عاتقه-دون أن يحمله أحد ذلك- أن يقف ضد حالة الجمود الجمالي والفكري، وضد التعميمات التي تضبب الرؤية أكثر مما تجليها. يقول إدوارد سعيد:
"ومن المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل بين البشر."([14])
وأحسب أن شاعر قصيدة النثر الذي تناولت نماذج منه في هذه الدراسة، هو نموذج ممتاز للمثقف، لذلك فهو يبدو مسئولا عن مقاومة الجمود و"التعميمات الاختزالية" بحسب تعبير سعيد، ولكن عبر وسيط جمالي لغوي ذي محتوى فكري معقد. العزلة التي يتفنن شعراء النثر الذين تعرضت لهم في تصويرها هي موقف وجودي اختياري فضله هذا الجيل على الاندماج مع ثقافة يتناقضون معها بعمق، ويشعرون بعجز أمام سيطرتها ويأس عميق من تغييرها. وهو الموقف الذي يجسده قول إدوارد سعيد:
"المثقف أو المفكر يجد نفسه في عزلة، لكن هذه العزلة خير من الصحبة التي تعني قبول الأوضاع الراهنة على ما هي عليه."([15])

قراءة في قصيدة النثر السعودية (بحث)- د. أيمن بكر

*** بحث قدم  في ملتقى نادي جازان الأدبي 1430
[1] أحمد كتوعة، كرة صوف لفت على عجل، دار الجديد، بيروت، ط1/ 1996، ص 18.
[2] إبراهيم الحسين، خشب يتمسح بالمارة، دار الجديد، بيروت، ط1/ 1996، ص 66.
[3] إبراهيم الحسين، السابق، ص 70.
[4] هذه التراكيب كلها من ديوان أحمد كتوعة السابق، صفحات: 9، 10، 11، 21 بالترتيب.
[5] محمد الحرز، رجل يشبهني، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1 1999، ص 13.
[6] يمكن أن نضرب المثل بتفكيكية جاك دريدا التي تسعى في جانب منها إلى تجاوز الرؤية الفلسفية التقليدية التي تنظر للعالم عبر ثنائيات متضادة هي من صنع الوعي الإنساني غالبا وليست من طبيعة الأشياء.
[7] أحمد كتوعة، كرة صوف لفت على عجل، مرجع سابق، ص 49.
[8] شريف بقنه، مدن العزلة، ضمن:
-          عبد الله السفر، محمد الحرز (محرران)، يصرون على البحر: شعربات سعودية، منشورات البيت، الجزائر، ط1/ 2007، ص 124.
[9] السابق، ص 77.
[10] إبراهيم الحسين، خشب يتمسح بالمارة، مرجع سابق، ص 51.
[11] محمد الدميني، "ملاك الحسرة"، ضمن:
-          يصرون على البحر، مرجع سابق، ص ص 244-245.
[12] عبد الله السفر: ها أنت على المشارف، ضمن:
-          يصرون على البحر..، مرجع سابق، ص 149.
[13] عبد الله السفر، المرجع السابق، ص 149.
[14] إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ت: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص 19.
[15] إدوارد سعيد، المرجع السابق، ص 29.