جريدة عكاظ، الجمعة ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥
علي فايع (أبها) alma33e@، علي الرباعي (الباحة) Al_ARobai@
ربما لم يلقَ المثقف السعودي، والأديب تحديداً، أي اهتمام من مؤسسات أكاديمية وثقافية عالمية، رغم أن هناك عناية بأسماء عربية من بلدان أخرى، ولذا قلّما نسمع عن دعوة موجهة إلى مثقف محلّي للمشاركة في مناسبة ثقافية عالمية، ولعل لغياب المنتج النوعي، وضعف الدعم المؤسسي أثراً في تحييد مثقفنا عن منصات العالمية، التي بلغتها الفنون، وأنشطة أخرى، وهنا محاولة لاستجلاء أسباب الغياب أو التغييب لوضع القارئ في صورة ما يحدث، وفتح أبواب النقاش، حول محور يستحق أن يكون موضوع ندوات وحوارات مطوّلة.
يرى الدكتور مسفر بن علي القحطاني، أن مؤسساتنا الثقافية، تركز على صناعة الأفكار الحية النابضة بالتقدم، بالبحث في الأفكار الكبرى التي تقود برامج النهوض، وتدفع بمحركات التنمية للعمل في الظروف الصعبة، لافتاً إلى أنه إنْ لم نؤسس النقلة الفكرية على مناهج بحث سليمة، ومن خلال تمكين لغتنا العربية في المجالات كافة، ستكون هناك ثغرات وهوّات ربما توقف مسيرتنا أو تصدها عن الصراط السويّ.
وعدّ القحطاني غياب الأفكار الكبرى والمشاريع الثقافية الرصينة، عائقاً عن بلوغ منصة الاهتمامات العالمية، كونه من النادر أن نجد مثقفاً سعودياً تحظى مؤلفاته بالدرس والعناية وتقديم الأطروحات خارج حدود بلادنا، وذهب إلى أن من أسباب ذلك، عقدة الشللية التي تُحِّزب المثقف في إطار مجموعته واستراحته ولا يرى غيرهم، ومن ثمّ تصبح منابرنا الصحفية والإعلامية والثقافية حكراً على المسؤول وجماعته وشلّته، فنفتقد مشاركات قيمة غابت بسبب التغييب المتعمد للكفء المجهول، إضافةً إلى أن مثقف الجزيرة العربية، اختار مقعد التتلمذ لعقود من الزمن، وبات يصعب عليه تجاوزه ولو نفسياً، كما أن الأساتذة الماضين من «عرب الشمال» خلال العقود الثلاثة الماضية كان يصعب عليهم أيضاً إفساح المجال للسعودي؛ تحديداً أن يتسيّد منصات التكريم والإشادة بتجهيل مقصود، وهذه الحقبة المريضة قد تجاوزناها، مضيفاً أن المنتج الثقافي السعودي الرصين انحسر عن مواقع التأثير بسبب فقر الملاحق الثقافية، والجامعات عن تطويره، من خلال نقده ومناقشته وإنضاجه في المجال التداولي، وباتت الصدارة للمنتجات الخفيفة من روايات وقصص وشعر، فغرقت الساحة الثقافية بالغثاء الكثيف، وغدت مؤلفات مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في قائمة الأكثر مبيعاً، والكل يعلم هشاشتها وفقر محتواها، وقال: «يؤسفني أن أرى مثقفاً متمكناً من مادته المعرفية، انتقل إلى ساحات الروايات بحثاً عن مجد (الترند) والشهرة الفارغة، وهذا وغيره سوف يراوحون في محيطهم المحلي وفي وسط ثقافي عام لا يملك سوى التصفيق والمديح». وأوضح أننا نملك اليوم في السعودية فرصة تاريخية وإمكانات مميزة ودعم رسمي لنعود للمنافسة العالمية والبناء الفكري الرصين، إلا أن هذه الممكّنات رهن وجود المثقف الأصيل القادر على شق طريقه المعرفي وسط كل الضجيج، فالمنتج الرصين يفرض قوته وعالميته ولو عقب حين.
ويؤكد الشاعر والمترجم شريف بقنة أن الإجابة على مثل هذا السؤال تتطلب شجاعة في تشريح الواقع، وتفكيكاً لمفهوم (العالمية) بحد ذاته، ويمكن تلخيص المشهد في عدة سياقات متداخلة، ففي المقام الأول، يجب أن نعترف بواقعية قاسية، وهي أن (العالمية) بمعايير اليوم لا تزال منتجاً غربياً خالصاً، فمهما تحدثنا عن حوار الحضارات، يظل الغرب -بامتداداته في أمريكا وأوروبا واليابان- كتلة ثقافية مهيمنة تملك أدوات الاعتراف الدولي، مشيراً إلى أن من يملك ميزان القوى الاقتصادي والإعلامي، يملك بالتبعية ميزان القوى الثقافي، ونحن أمام مشهد تُدار فيه كبرى الجوائز، ودور النشر المؤثرة، والمنصات الفلسفية بأدوات ومعايير غربية، ما يجعل اختراق الجدار الصلب للمثقف القادم من الشرق تحدياً وجودياً، فالشرق لا يزال شرقاً، والغرب غرباً. وأضاف بقنة: هناك الفجوة التاريخية وعبؤها، إذ تأخرنا كثيراً في اللحاق بقطار التحولات الكبرى كعصر النهضة والتنوير والثورة الصناعية، وهذا التأخر الزمني خلق حالة من «الدفاع عن الهوية» لأسباب دينية وقومية وسياسية، ما أدى لسنوات طويلة من الانغلاق النسبي وعدم الانفتاح الجريء على الآخر، وهو شرط أساسي لتصدير الثقافة عوضاً عن استهلاكها. ويرى أن نتاجنا يغرق في تفاصيل محلية بحتة، مع ضعف واضح في جسور الترجمة العكسية التي تنقلنا للعالم. ورغم أننا نشهد اليوم حراكاً سعودياً وخليجياً مبشراً -سواء في الترجمة أو الجوائز والمؤتمرات- يسعى لردم هذه الفجوة، مؤكداً أن صناعة الرمز الثقافي العابر للحدود، عملية تراكمية تحتاج إلى صبر ووقت لتغيير قواعد اللعبة.

.webp)









