05 يناير 2023

الفائزون بالجوائز ممتنون: المعنويات تبقى والماديات تفنى



جريدة عكاظ، ثقافة وفن الجمعة 16 سبتمبر 2022 
علي الرباعي (الباحة)
يتباشر المثقفون بتكريم أي عنصر من عناصر الإبداع والتميز، ويستبشرون خيرًا بالجائزة؛ كونها اعترافًا مُعلنًا باستحقاق المُكرّم الالتفات لمنجزه وتثمين دوره، وإن معنويًا، ويتطلّع البعض لنيل مبالغ مالية تسند يومياتهم الكادحة، إلا أن معظمهم يرجح جانب المعنويات، مكتفين بما هو أبقى إزاء ما يفنى، وتطرح «عكاظ» على عدد من الفائزين بجوائز محلية وعربية، خلال أيام قريبة مضت، سؤالًا عن دلالة ومعنى الفوز، وأثره على العطاء، إذ يؤكد عرّاب المسرح السعودي المعاصر فهد ردة الحارثي المكرّم من مهرجان القاهرة التجريبي الدولي، أن التكريم محطة من محطات التقدير لعطاءات سابقة، وعدّه دافعًا حيويًا للانطلاق لمحطات لاحقة، إذ يندفع قطار العمل ويتعمق في داخل الشخصية المُكرمة، فينأى بعيدًا عن أموره الحياتية، وينصرف نحو العمل، مؤثرًا الموضوع على الذات، لتعيد لحظة التكريم ذكريات البدايات ومُضي السنوات بكل ما حفلت به، رغم نسيان المُكرّم ما قدّم أو تناسيه لانشغاله بما سيقدم، مشيرًا إلى أن القيمة المعنوية، للجائزة أكبر وأهم، خصوصًا في مهرجانات دولية لها مكانتها الثقافية والأدبية والإنسانية على مستوى العالم. وقال العرّاب: سبق أن تم تكريمي في القاهرة، والكويت، وتونس، والمغرب مرات عدة، إلا أن التكريم في أكبر مهرجان بالشرق الأوسط (مهرجان القاهرة التجريبي الدولي 29) الذي لا يُكرّم به إلا نخبة النخبة، ولكوني المكرّم الأول من السعودية فهذا مجال فخر واعتزاز. وأضاف الحارثي: حصدت خلال مشواري المسرحي، ستًا وعشرين جائزة محلية وعربية ودولية، وكرمت عشرين مرة محليًا وعربيًا ودوليًا، وكان بها المادي وبها المعنوي وبها الاثنان معًا، فذهبت المادة، وظل المعنوي تاريخًا وأثرًا، ولو خيروني بين المادي والمعنوي لاخترت المعنوي؛ كونه أكثر قيمة إلا أنه لو جمعت الجائزة المعنوي، والمادي لكان خيرًا مع خير.
فيما يرى الفائز بجائزة وزارة الثقافة للترجمة الشاعر المترجم شريف بقنة، أن فوزه بالجائزة يعني له الكثير، ويحمّله مسؤولية كبيرة، ويشحذ الهمّة لمزيد العمل النوعي والجاد. وأوضح لـ«عكاظ» أنه لا يريد أن يبدو مثاليًا إلا أن صعوده على منصة التتويج واستلامه الجائزة موقعةً من وزارة الثقافة هو القيمة الحقيقية والمعنى الأهم بعيدًا عن أي قيمةٍ مادية. وعدّ الوطن السعودي الذي يقّدر مبدعيه، وطنًا طليعيًا ومتحضرًا، بحكم أن الاحتفاء بصناع الإبداع يبعث رسالةً تؤكد تقدير الدولة للفن والأدب والموسيقى ومختلف أوجه الثقافة التي تتكامل لتشكل هوية المملكة العربية السعودية.

جمالٌ مستهترٌ أنجزَهُ التَّعب

Automat, 1927 by Edward Hopper

"إنِّي رأيتُ اللَّيل يقدِّمُ كلَّ أوراقِ اللُّجوءِ
لشامةِ امرأةٍ وحيدةٍ." محمد عبدالباري 

مثقلةٌ بالخطايا
ولكنّكِ جميلةٌ، 
جمالٌ مستهترٌ أنجزَهُ التَّعبُ
لا يبوحُ إلَّا بسهوِ الأبدية، 
جمالٌ وحشيٌّ 
تركتْهُ أقدارٌ نزِقة
افترسهُ فمُ اللّيلِ ومزَجهُ 
غبارُ الزّرقةِ السّرمديّةِ. 
يُرعبُنِي مِثلُ هذا الجمالِ أحيانًا، 
يصطدمُ بي تيّارًا لا مرئيا 
يعسرُ على الفَهمِ، 
وأزعمُ أنَّ خطأً كونيًّا 
فادحًا لابدَّ وأنْ وقعَ 
خطأً نزيهًا وممتدحًا. 
هيبةُ المجهولِ ربّما
سحرُ الغامضِ ورهبةُ التّيهِ، 
يحدثُ هذا معي أيضًا، 
عند استماعي 
مقطوعةً لهانز زيمر 
عند تخشّبي مشدوهًا 
أمامَ لوحةٍ لا تُقدَّرُ بثمنٍ، 
وعندَ وقوفي
قربَ رأسِك.. متأملًا  
عينيكِ نائمتين. 

 شريف بقنه 

شَربَةُ ماء - جيفري هاريسون

عندمَا يفتحُ ابني ذي التسعةِ عشرَ عامًا صنبورَ المطبخِ
ويتّكِئُ على حافةِ الحوضِ، يميلُ برأسِهِ قليلًا
ويشرَبُ مباشرةً من مجرى الماءِ الباردِ،
أتذكَّرُ أخي الأكبرَ، الآنَ.. وبعدَ مرورِ عشرُ سنواتٍ،
كان معتادًا على فِعلِ ذاتِ الشيءِ في تلكَ السِّنِّ؛

عندمَا يرفعُ رأسَهُ إلى الوراءِ وقد أروَى ظمأَهُ،
يمسحُ بكُمِّ قميصِهِ الماءَ المتساقطَ على وجنتيهِ،
بذاتِ الإيماءةِ العرَضيةِ الّتي اعتادَ عليها أخِي،
لا أقولُ لهُ أنْ يشربَ منَ الكأسِ، بالطريقةِ
الّتي قالَهَا أبِي لأخي حينَهَا،

لأنّنِي أحبُّ تذكُّرَ أخِي
عندما كان صغيرًا، عقودًا قبلَ أنْ يحصلَ
أيُّ شيءٍ، أحبُّ أن يستحيلَ ابني أخي ولو لِلحظاتٍ،
بهذهِ العادةِ الصغيرةِ والّتي وُلِدتْ من حاجةٍ بسيطةٍ،

حاجةٍ عفويةٍ لم يحضُّهُما عليها أحدٌ
تربطهُما عبرَ حدودِ الموتِ ومرافئُ الزّمنِ..
كما لو أنَّ المجرَى الصافي يتدفقُ بينَ عالَمينِ
ويصبُّ باردًا من صنبورِ المطبخِ،
ابني وأخي يشربانِ سويّةً الماءَ.

________________
ترجمة شريف بقنه 
جيفري هاريسون Jeffrey Harrison شاعر أمريكي معاصر. أصدر سبعة كتب شعرية، آخرها العام ٢٠١٤. نشر في ذا نيويوركر The New Yorker و ذا باريس ريفيو The Paris Review وغيرها من المجلات الأدبية، وحاز على جائزتي بوشكارت و زمالة جوجينهام وغيرها من الجوائز والتشريفات (١٩٥٧- )
"Drink of Water" by Jeffrey Harrison from Healing the Divide: Poems of Kindness & Connection, ed., James Crews, Green Writers Press, 2019