28 نوفمبر 2025

ضآلة التأثير تُعثِّر الثقافة السعوديّة عن العالمية

جريدة عكاظ، الجمعة ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥

علي فايع (أبها) alma33e@، علي الرباعي (الباحة) Al_ARobai@

ربما لم يلقَ المثقف السعودي، والأديب تحديداً، أي اهتمام من مؤسسات أكاديمية وثقافية عالمية، رغم أن هناك عناية بأسماء عربية من بلدان أخرى، ولذا قلّما نسمع عن دعوة موجهة إلى مثقف محلّي للمشاركة في مناسبة ثقافية عالمية، ولعل لغياب المنتج النوعي، وضعف الدعم المؤسسي أثراً في تحييد مثقفنا عن منصات العالمية، التي بلغتها الفنون، وأنشطة أخرى، وهنا محاولة لاستجلاء أسباب الغياب أو التغييب لوضع القارئ في صورة ما يحدث، وفتح أبواب النقاش، حول محور يستحق أن يكون موضوع ندوات وحوارات مطوّلة.

يرى الدكتور مسفر بن علي القحطاني، أن مؤسساتنا الثقافية، تركز على صناعة الأفكار الحية النابضة بالتقدم، بالبحث في الأفكار الكبرى التي تقود برامج النهوض، وتدفع بمحركات التنمية للعمل في الظروف الصعبة، لافتاً إلى أنه إنْ لم نؤسس النقلة الفكرية على مناهج بحث سليمة، ومن خلال تمكين لغتنا العربية في المجالات كافة، ستكون هناك ثغرات وهوّات ربما توقف مسيرتنا أو تصدها عن الصراط السويّ.

وعدّ القحطاني غياب الأفكار الكبرى والمشاريع الثقافية الرصينة، عائقاً عن بلوغ منصة الاهتمامات العالمية، كونه من النادر أن نجد مثقفاً سعودياً تحظى مؤلفاته بالدرس والعناية وتقديم الأطروحات خارج حدود بلادنا، وذهب إلى أن من أسباب ذلك، عقدة الشللية التي تُحِّزب المثقف في إطار مجموعته واستراحته ولا يرى غيرهم، ومن ثمّ تصبح منابرنا الصحفية والإعلامية والثقافية حكراً على المسؤول وجماعته وشلّته، فنفتقد مشاركات قيمة غابت بسبب التغييب المتعمد للكفء المجهول، إضافةً إلى أن مثقف الجزيرة العربية، اختار مقعد التتلمذ لعقود من الزمن، وبات يصعب عليه تجاوزه ولو نفسياً، كما أن الأساتذة الماضين من «عرب الشمال» خلال العقود الثلاثة الماضية كان يصعب عليهم أيضاً إفساح المجال للسعودي؛ تحديداً أن يتسيّد منصات التكريم والإشادة بتجهيل مقصود، وهذه الحقبة المريضة قد تجاوزناها، مضيفاً أن المنتج الثقافي السعودي الرصين انحسر عن مواقع التأثير بسبب فقر الملاحق الثقافية، والجامعات عن تطويره، من خلال نقده ومناقشته وإنضاجه في المجال التداولي، وباتت الصدارة للمنتجات الخفيفة من روايات وقصص وشعر، فغرقت الساحة الثقافية بالغثاء الكثيف، وغدت مؤلفات مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في قائمة الأكثر مبيعاً، والكل يعلم هشاشتها وفقر محتواها، وقال: «يؤسفني أن أرى مثقفاً متمكناً من مادته المعرفية، انتقل إلى ساحات الروايات بحثاً عن مجد (الترند) والشهرة الفارغة، وهذا وغيره سوف يراوحون في محيطهم المحلي وفي وسط ثقافي عام لا يملك سوى التصفيق والمديح». وأوضح أننا نملك اليوم في السعودية فرصة تاريخية وإمكانات مميزة ودعم رسمي لنعود للمنافسة العالمية والبناء الفكري الرصين، إلا أن هذه الممكّنات رهن وجود المثقف الأصيل القادر على شق طريقه المعرفي وسط كل الضجيج، فالمنتج الرصين يفرض قوته وعالميته ولو عقب حين.

ويؤكد الشاعر والمترجم شريف بقنة أن الإجابة على مثل هذا السؤال تتطلب شجاعة في تشريح الواقع، وتفكيكاً لمفهوم (العالمية) بحد ذاته، ويمكن تلخيص المشهد في عدة سياقات متداخلة، ففي المقام الأول، يجب أن نعترف بواقعية قاسية، وهي أن (العالمية) بمعايير اليوم لا تزال منتجاً غربياً خالصاً، فمهما تحدثنا عن حوار الحضارات، يظل الغرب -بامتداداته في أمريكا وأوروبا واليابان- كتلة ثقافية مهيمنة تملك أدوات الاعتراف الدولي، مشيراً إلى أن من يملك ميزان القوى الاقتصادي والإعلامي، يملك بالتبعية ميزان القوى الثقافي، ونحن أمام مشهد تُدار فيه كبرى الجوائز، ودور النشر المؤثرة، والمنصات الفلسفية بأدوات ومعايير غربية، ما يجعل اختراق الجدار الصلب للمثقف القادم من الشرق تحدياً وجودياً، فالشرق لا يزال شرقاً، والغرب غرباً. وأضاف بقنة: هناك الفجوة التاريخية وعبؤها، إذ تأخرنا كثيراً في اللحاق بقطار التحولات الكبرى كعصر النهضة والتنوير والثورة الصناعية، وهذا التأخر الزمني خلق حالة من «الدفاع عن الهوية» لأسباب دينية وقومية وسياسية، ما أدى لسنوات طويلة من الانغلاق النسبي وعدم الانفتاح الجريء على الآخر، وهو شرط أساسي لتصدير الثقافة عوضاً عن استهلاكها. ويرى أن نتاجنا يغرق في تفاصيل محلية بحتة، مع ضعف واضح في جسور الترجمة العكسية التي تنقلنا للعالم. ورغم أننا نشهد اليوم حراكاً سعودياً وخليجياً مبشراً -سواء في الترجمة أو الجوائز والمؤتمرات- يسعى لردم هذه الفجوة، مؤكداً أن صناعة الرمز الثقافي العابر للحدود، عملية تراكمية تحتاج إلى صبر ووقت لتغيير قواعد اللعبة.

20 نوفمبر 2025

بحر الليل، ١٩٦٣ - فيكتوريا تشانغ

 

Summer (1964) Patricia L Lewy Gidwitz
Summer (1964) Patricia L Lewy Gidwitz

في هذه الغرفة تتضاعف وحدتي، لأن حوافَّ اللوحة لم تعد بيضاء. الزُرقة الحقيقية تبدو أثخن مما هي علي في الصور. مصدر تلك الزُرقة لم يعد هنا. ما تبقّى هو هذا الجمال الكثيف أمامي، بحوافٍّ بالية تشبه فمي القذر الفاغر أمام الجميع. ما زالت روحي معي، غير أن شظاياها بدأت تهاجر نحو الأشياء الجميلة، نحو هذه الزرقة مثلًا. أُودِعُ شيئًا من روحي هنا، ثلاثة أسطر إلى الأعلى، في المستطيل الرابع يمين اللوحة. روحي منسوجة من كلمات وكسرات زجاج، وفي الآونة الأخيرة، لايكفُّ الزجاج عن جرح الكلمات. الكلمات الأشد جراحًا، التي رافقتني منذ طفولتي، تؤثر البقاء هنا. أواسي نفسي وأنا أغادر الغرفة. لايدرك الحاضرون في الغرفة ما فعلته. بعض كلماتي عدلت عن رأيها، وتحاول الخروج من الغرفة للحاق بي. أمضي مبتعدة، أخفَّ وزنًا، أحمل على كاهلي روحًا صغيرة. لكن بعد ثلاثة وثلاثين يومًا، ما زلت أسمع الكلمات تستجير.¹ ²

¹ ترجمة شريف بقنه

² This piece is taken from the original text “Night Sea, 1963”, included in the book With My Back to the World, published by Farrar, Straus and Giroux in 2024.

14 نوفمبر 2025

آلاف السنين من الفلسفة، وكلمة واحدة تلخّص معنى الحياة

الصورة: كارل ويذَرلي/جيتي

كولم كينا، ذا آيريش تايمز¹ - ترجمة د. شريف بقنه

عندما كنت شابًا، تساءلت عن معنى الحياة وغايتها، ولذلك – ظنًا مني أن ذلك قد يساعد – اشتريت نسخة من كتاب برتراند راسل تاريخ الفلسفة الغربية. ولم أكتفِ بذلك؛ بل اقتنيت دفترًا خاصًا أدوّن فيه الكلمات التي لا أفهمها لأعود إليها في القاموس. سرعان ما عدلت عن هذه العادة، لكنني أكملت قراءة كتاب راسل الضخم، وعبره اطّلعت على إرثٍ يمتد لآلاف السنين من التأملات الغربية، ابتداءً بسقراط حتى الفلسفة التحليلية. بهذه الطريقة وجدت أن الفلاسفة – عند النظر إليهم كجماعة – كانوا في حيرة مثل حيرتي.

عندما أنظر إلى الوراء، يُخيل إليّ أن سعيي لتحسين مفرداتي كان أصدق من أملي بأن تقدّم الفلسفة جوابًا جاهزًا لأحد أكثر أسئلة الحياة إثارة. وما زلت غير واثق تمامًا من معنى الأبستمولوجيا أو الهرمنيوطيقا، ولست متأكدًا من سبب ميل المفكرين الفرنسيين، على وجه الخصوص، إلى أفكارٍ فلسفية تبدو متهافتة. ولكنني – وأعلم أن عبارتي قد تُظهِرني كأحد سكان الضفّة اليسرى الباريسية² المهووسين – قد خلصتُ إلى أن أحد أسباب القلق الوجودي لدى الشباب هو أننا، كبشر، مبرمجون فطريًا على امتلاك القدرة اللغوية. ولأن أدمغتنا تتطلّب أن تكون الجملة المصوغة جيدًا ذات معنى، فإننا نُسقِط التوقّع نفسه على الحياة ومعناها عمومًا. ويجب أن نكون قادرين على قول ما تعنيه الجملة. كما أن قدرتنا اللغوية لا تقتصر على الفهم فحسب، بل تشمل أيضًا القدرة على ابتكار الكلمات – وهو أمر يستحق التأمّل فيه.

16 أكتوبر 2025

رجلُ المطر - بول فارلي

آخرَ ما أفعلهُ أُطفِئُ الأنوار،
وأُسدِلُ الستائرَ المعدنيّة،
أُضبطُ المنبّه،
وأتركُ فجوةً صغيرةً في الشرائحِ المعدنيّة،
أَنحني لأعبُرَ من تحتِها.

وفي الوقتِ الذي أبتعدُ فيه،
فيما الزمنُ يَنحسِرُ ببطءٍ،
أُلقي نظرةً إلى الفراغِ
الذي تركتُه في المدينة.

أفعلُ ذلكَ كلَّ ليلةٍ.

في الخارج،
الهواءُ مُثقَلٌ بالأبخرةِ والمطر،
وكلُّ شيءٍ على وشكِ الحدوث.


ـــــــــــــــــــــــــ
¹ ترجمة شريف بقنه
² نُشرت قصيدة «رجل المطر – Rain Man» ضمن مجموعة بول فارلي الشعرية The Mizzy الصادرة عن دار بيكادور (Picador) في لندن عام ٢٠٢٤، ترشحت المجموعة للقائمة القصيرة لجائزة تي. إس. إليوت ٢٠٢٤.
³ Financial Times, "Rain Man" by Paul Farley, March 29, 2024.

25 سبتمبر 2025

قراءة في مقال «الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟»

في مقال نُشر بتاريخ ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٥ في مجلة "النيويوركر" بعنوان "الذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص المرضى، فماذا بقي للأطباء؟"، يستعرض الكاتب دروف كولار التأثير الكبير الذي تحدثه نماذج اللغة الكبيرة LLMs في عالم الطب، مع تسليط الضوء على الفرص والمخاوف المصاحبة لهذه الثورة التكنولوجية.
​يبدأ المقال بقصة لافتة لـ "ماثيو ويليامز"، مهندس برمجيات عانى لسنوات من أعراض هضمية حادة فشل ٨ أطباء في تشخيصها بدقة. وبعد معاناة طويلة، لجأ إلى ChatGPT الذي تمكن في ثوانٍ من تحديد السبب المحتمل لمشكلته، وهو مركبات تسمى "الأكسالات Oxalate" لم يذكرها أي من أطبائه من قبل. هذه التجربة غيرت حياته وقناعاته:
​"أثق بالذكاء الاصطناعي أكثر من الأطباء. ولا أعتقد أنني الوحيد في ذلك."
​يشير المقال إلى أن الأخطاء التشخيصية في الولايات المتحدة وحدها تساهم في وفاة شخص من كل ١٠ أشخاص (أجد أن الرقم مبالغ فيه)، مما يبرز الحاجة الماسة لأدوات أكثر دقة.
​لكن التكنولوجيا تأتي بآثارها الجانبية. فالمقلق هو تآكل المهارات البشرية، وهو ما عبر عنه طالب طب وكشف عن قلق مشروع في الأوساط الطبية:
​"أنا قلق من أن هذه الأدوات ستؤدي إلى تآكل قدرتي على إجراء تشخيص مستقل."
​يستعرض المقال التطور التاريخي للتشخيص الحاسوبي وصولاً إلى "CaBot"، وهو نموذج ذكاء اصطناعي متقدم من جامعة هارفارد وُضِع في مواجهة مباشرة مع طبيب خبير لتشخيص حالة معقدة، في تحدٍ يذكر بمباراة الشطرنج الشهيرة بين كاسباروف وحاسوب ديب بلو.
​يطرح المقال في النهاية سؤالاً محورياً حول مستقبل مهنة الطب: كيف سيتغير دور الطبيب في عصر أصبحت فيه الآلة شريكاً تشخيصياً قوياً، وأحياناً أكثر بصيرة؟

28 أغسطس 2025

خرائط الريح - شريف بقنه

Another Place by Antony Gormley
"الكثير من العوائق تحول دون هذه المعرفة، بما في ذلك غموض المسألة وقصر الحياة البشرية" بروتاغوراس (٤٨٧ ق.م - ٤٢٠ ق.م)

أسير ببهاء جرحي رفقة أيام شاحبة،
يحيرني غموض السؤال
ويقيدني قصر الحياة
ويحيد بي الطالع شاردًا
أفتش في دوامة الجهات عني،
أدعك فضة المرايا 
علني أراني رابضًا
بين أثاث الفراغات 
أو مبدّدًا في خرائط الريح.
تسكنني الظنون
وأسكن غابة أسئلة
،أهادن الوقت وأخاتل الضيق
أصنع من الاعتياد دهشة 
وأنسى كل مرة كيف تحايَلت
وبعثت الجدوى من أعماق التفاهة.
أعرف مشقة اختراع المعنى
منذ طُوي الزمان صفحةً
في كنف المكان،
تحرر الضجر من ثقبٍ أسود
وتفجرت عاطفة المجرات
جربت الأصوات طبقاتها 
واندلعت نوافير الألوان
اختار البرد لونه الشفاف،
تسمت الأشياء وأصبح 
للوقت حدائق نسيان.
لماذا توارى الفن خلف القشور،
وكيف استحال الغياب شاعريًا؟
هل أسرفت الطبيعة في بطشها،
هل للطمأنينة أن تسيل في الروح
وتجعلها خفيفة؟
منذ حذرني فاوست 
من نزوات مفستوفيليس
أيقنت أن السعادة 
اكتمال يلمع في اللانهائي
وأن المعنى 
مَذروٌّ في رماد الليل
ضائع في غصة الجمال،
هكذا ذبت في خطوط الريح 
امتطيت مع آخيليس هفوة الفن
صقلت رغبتي الملحمية
هددت تعابير الكلام
وسفكت دم الدلالة
على صفحات الصواب،
كتبت قصيدة
عن منازل السهو
ومثالب الريبة.
 
٥ أغسطس ٢٠٢٦
أبها

02 مايو 2025

المترجم كاتبًا خفيًّا: متى تصبح الترجمة عملًا أدبيًّا جديدًا - د. شريف بقنه


لو تخيلنا الترجمة كرحلةٍ عبر المرايا، لكان المترجم هو تلك المرآة التي تعكس النصَّ دون أن تُفقدهُ وهجَه، لكنها تضيفُ إليه أبعادًا جديدةً تُضيء ما خفيَ في الزوايا. العديد من الاستعارات تتوازى مع رحلة الكاتب الخفي، رحلة المترجم عبر نص المؤلف. يرى المترجم نفسه كظل أمين يتماوج جنبًا إلى جنب مع النص، فالترجمة هنا حديث سري وحوار داخلي وصامت، كما يصفها جورج شتاينر في كتابه "بعد بابل: جوانب من اللغة والترجمة": «كل ترجمة فعلٌ من أفعال الفهم العميق، ومحاورة صامتة مع النص الأصلي»[1]. المترجم لا يكتفي بنقل الكلمات، بل يعيش داخل النص ليستوعب صوته، وينسج ظلًّا لمعانيه، حاملًا رسالة العقول عبر الزمن كرفيقٍ خفي، تقول المترجمة الأمريكية إديث غروسمان في هذا السياق: «أحيانًا أشعر أنني أكتب النص من جديد جنبًا إلى جنب مع الكاتب الأصلي، كما لو كان يهمس بأذني»[2]. هذه العلاقة اللامرئية عميقةٌ في جوهرها؛ فالمترجم قارئٌ استثنائي، صديقٌ غير مُعلَن للنص، يعيد تشكيله بلغة أخرى. إنه القارئ الأول، الأكثر تدقيقًا، والأشد توجسًا، الذي يرافق الكاتب كظله، يتنقل بين أفكاره بحثًا عن ذلك الخيط الرفيع بين الأمانة الأدبية والاشتغال الإبداعي.
أنتقل إلى استعارة أخرى: المترجم كمستكشفٍ للغموض وفنانٍ خفي. فهو لا يكتفي باكتشاف خبايا النص، بل يفتح أبوابه الموصدة لاستنطاق فسحة التأويل، ويعيد تشكيله كقطعة فنية بلغة جديدة. هنا نستحضر قول أمبرتو إيكو: «الترجمة هي قول الشيء ذاته تقريبًا»[3]، لكن كلمة "تقريبًا" تحمل في طياتها مغامرةً إبداعية، خاصةً إذا كنا نتحدث عن ترجمة النصوص الأدبية. يسبر المترجم أغوار النص، يكتشف طبقاته الخفية، ويسعى لتقديمه بلغة جديدة دون أن يفقد سحره وخاصيته الفنية. المترجم هنا أشبه بعالم آثارٍ يزيل الغبار عن النص ليُظهر جماله الخام. وكما يوضح لورنس فينوتي في كتابه "اختفاء المترجم": «يُطلب من المترجم أن يكون حاضرًا في النص، لكنه يُجبر على الاختفاء في الوقت ذاته»[4]. هذا التناقض المحوري يجعل الترجمة فنًّا خفيًّا، حيث تُنسج لغة المترجم في نسيج النص دون أن تترك أثرًا.

10 أبريل 2025

صعود الآلات - فصل مترجم من كتاب «الإمبراطوارية السوية»

صعود الآلات

تجري أحداث أهم أجزاء قصتنا منذ أوائل القرن التاسع عشر، ولكن من المفيد أن نبدأ بسرد أكثر شمولاً يوفر سياقًا أوسع. أحد أهم الاستفهامات يتعلق بكيف أدى التحول من الإقطاعية إلى الرأسمالية إلى تغير جوهري في كيفية تصور الصحة.
يبدأ الفصل بإلقاء نظرة سريعة على كيفية فهم الصحة كشكل من أشكال الانسجام في اليونان القديمة وأماكن أخرى في العالم القديم، واستمر ذلك حتى القرن السابع عشر على الأقل. انتقل بعد ذلك إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي أعد عمله رمزًا لتحوّل أوسع في الفكر التنويري حول الجسم والصحة. بالنسبة لديكارت، أُعيد تصور الجسم باعتباره آلة. من هذا المنظور، لم تعد الصحة مسألة انسجام، بل أصبحت آلية عمل لابد وأن تعمل بشكل صحيح. أخيرًا، انتقل إلى صعود الرأسمالية والثورة الصناعية. أوضح أنه، وبعيدًا عن كونه تطورًا علميًا لا مفرّ منه، أصبح تصوّر الجسم كآلة مقبولًا على نطاق واسع لأنه ساعد في تطبيع التسلسلات الهرمية الجديدة التي انبثقت من الرأسمالية. هذه النظرة الشاملة، التي توضح كيف أدخلت الرأسمالية مفهومًا جديدًا وعلمًا متوافقًا عن الصحة، ستسهم في تمهيد الطريق للفصول التالية التي تناقش صعود النموذج المرضي.

الصحة كانسجام

كان زمن أبقراط هو العالم الكلاسيكي للمدن اليونانية حيث دارت معارك شهيرة، وألّف الشعراء العظماء ملاحمهم، وتجادل سقراط مع مواطنيه في سوق أثينا. بسبب بساطة الطب في تلك الفترة، أصبحت الأمراض المزمنة والإعاقة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، ولم يكن هناك فصل أو تمييز للإعاقة يشبه ما حدث لاحقًا. تُظهر الأدلة الأثرية، على سبيل المثال، أن المعابد احتوت على سطوح مائلة لتسهيل وصول ذوي الإعاقة الحركية [1]. مع ذلك، كان هناك تمييز ضد ذوي الإعاقة؛ ومن ذلك الاعتقاد السائد بأن المرض عقاب - أو في بعض الأحيان هدية - من الآلهة. يرجع تاريخ هذا "النموذج الأخلاقي" للإعاقة إلى مصر القديمة، حيث يقوم السحرة الأطباء بطرد الأرواح الشريرة إلى جانب توفير التدخل الطبي اللازم.
ولد أبقراط العام٤٦٠ قبل الميلاد تقريبًا في جزيرة كوس، قبالة سواحل تركيا. تعلم أولًا على يد والده، الطبيب هيراكليدس. بعد أن تعلم كلّ ما لدى والده، جاب أبقراط أنحاء واسعة لتعلّم المزيد عن الطب. في حين لا يُعرف سوى القليل على وجه اليقين عن أسفاره أو حياته اللاحقة، إلا أننا نعرف من معاصره أفلاطون أن أبقراط عاد إلى كوس وأصبح مشهورًا بعمله الطبي وتعاليمه. [2]
نعلم أيضًا أن عددًا كبيرًا من النصوص، المعروفة باسم كوربوس أبقراط Hippocratic Corpus، لا تزال موجودة. كتبها أبقراط أو أتباعه. من هنا يتضح إرث التقليد الأبقراطي؛ في حين كان يُنظر إلى المرض تقليديًا من خلال عدسة دينية فهم الأبقراطيون المرض بطريقة طبيعية كمشكلات في الجسم أو العقل. كما كانوا روادًا في طرق الملاحظة والتوثيق وطوروا أنظمة تشخيصية معقدة لتفسير وعلاج الأمراض.
مع مرور الزمن، أصبح العاملون في هذا التقليد قادرين على علاج الجروح الملوثة وطوروا أدوات وتدخلات جراحية مهمة، وفهموا أهمية التغذية السليمة للجسم. اعتبروا أيضًا أن الدماغ، على حد تعبير أحد نصوص أبقراط "مقر الجنون والهذيان، والمخاوف والأهوال التي تباغتنا"[3]. عندما يتعلق الأمر بالأمراض العصبية فقد ميزوا بين الهوس والكآبة والجنون والصرع بأساليب لا تختلف كثيرًا عما جاء في أعمال الأطباء النفسيين الأوائل بعد أكثر من ألفي عام.[4]  هنا شهدنا لأول مرة الاعتراف بحالات عصبية محددة بدلًا من الفكرة التي تنسب الجنون إلى آلهة خبيثة أو غاضبة.
لكن هنا أيضًا تنتهي التشابهات مع الطب المعاصر. الاختلاف الأهم هو أن مفهومهم للصحة يختلف تمامًا عن المفاهيم التي لحقتهم. في يومنا هذا تُفهم الإعاقة في سياق علاقتها بالحالة السوية والمفاهيم الإحصائية. لم يكن مثل هذا المفهوم متداولًا في العالم القديم. في حين أن الفيثاغوريين طوروا مفهوم "المتوسّط" الحسابي قبل وقت قصير من ولادة أبقراط إلا أن هذا المفهوم كان مجردًا إلى حدٍّ كبير. كما كتب سايمون رابر "يذكر الفيثاغوريون المتوسط الحسابي في سياق الموسيقى والتناسب إلى جانب المتوسط الهندسي والتوافقي ولم يقترحوا استخدامه لتلخيص البيانات"[5]. من ثم فإن فكرة الأداء الوظيفي "الطبيعي" - أو بشكل أكثر تحديدًا معدل ضربات القلب الطبيعي وقدرة الرئة الطبيعية والطول الطبيعي والقدرة الإدراكية الطبيعية وما إلى ذلك - ستكون غريبة تمامًا على أطباء العصور القديمة.
عرّف الأبقراطيون المرض على أنه اضطراب في الانسجام الجسدي أو التوازن أو الاستقرار. يتمثّل توازن الصحة فيما اعتبروه الروابط الأساسية الأربعة أو "الأخلاط humours" وهي الدم والبلغم، والعصارة الصفراء والعصارة السوداء. من هذا المنطلق كما يلخص المؤرخ أندرو سكل "يتكون كل واحد منا من أربعة عناصر أساسية تتنافس على التفوق" بطرق يمكن أن تؤدي إلى توازنها بشكل أكبر أو أقل. [6]  إذا كانت هذه العناصر متوازنة، فإن الجسم يكون سليمًا، وتنتج أمراض مختلفة من أشكال مختلفة من الاختلال.
بالمثل، يمكن اعتبار الصحة كحالة من التناغم والانسجام بين الفرد والبيئة المحيطة به. على سبيل المثال، تتغير هيمنة الأخلاط المختلفة بتغير المواسم، مما يؤدي إلى تغيّر الأمراض. اقترح الأبقراطيون أيضًا أن الوظائف العصبية يمكن أن تتأثر بتغيرات الطقس. فمثلًا، -كما يفترض أحد النصوص-، فإن "الرياح الجنوبية" يمكن أن "تبعث الراحة إلى الدماغ" وأوعيته الدموية، بينما "ستجمّد" الرياح الشمالية أجزاء من الدماغ، وتجلب كل ظاهرة معها تأثيرات إدراكية مختلفة.[7]  إذا كان شخص ما مريضًا، يُنظر إلى مرضه باعتباره علامة على وجود نقص في توازن وانسجام الأخلاط أو انعدام في التناغم بين الفرد والبيئة، وتُفسّر المشكلات الطبية بملاحظة أنماط عدم التوازن.
في حين أن تركيزنا سيكون على المفاهيم الغربية للصحة، فمن اللافت ملاحظة أن مفاهيم التوازن للصحة البدنية والعقلية يمكن رؤيتها أيضًا في مجموعة من الفلسفات الطبية التقليدية على الصعيد العالمي. تشمل هذه التقاليد الأيورفيدية Ayurvedic tradition في الهند، والطب الصيني القديم، والطب المصري القديم، والتقاليد الطبية الشفهية للإنكا.[8]  من المؤكد أن كلًّا من هذه التقاليد تختلف في مجموعة من التعقيدات والفروق الدقيقة، ولم يستخدم أيّ منها المفهوم الأبقراطي لـ "الأخلاط". مع ذلك، فقد نظروا إلى الصحة على أنها، -بمعنى أو بآخر-، مسألة انسجام أو توازن داخل الفرد، أو بين الفرد والبيئة والمجتمع. على سبيل المثال، حسبما نقل أليكسوس ماكلويد، اعتقد أولئك الذين ينتمون إلى التقليد الكونفوشيوسي القديم في الصين أنه "إذا كنا في مجتمعات سيئة أو شريرة أو غير صحية، ستضطرب معتقداتنا وعواطفنا وتوقعاتنا ومواقفنا (من بين أمور أخرى) بطرق خطيرة.[9]" .
وهكذا، في جميع أنحاء العالم القديم، لم يكن المرض يعني وجود خلل ميكانيكي، ولكن انعداماً للتوازن في الذات أو مع البيئة أو الآخرين. بعيدًا عن كونها مقتصرة على العصور القديمة، استمرت هذه التقاليد حتى وقت قريب جدًا. على سبيل المثال، تطور تقليد الأخلاط في روما القديمة من خلال أعمال جالينوس، وخلال العصر الذهبي الإسلامي على يد ابن سينا، من ثم عبر أوروبا في العصور الوسطى. على نحو مماثل، انتشرت تقاليد التوازن القديمة الأخرى على مستوى العالم، واستمرت حتى العصر الحديث. ظلت المعادلة الأساسية بين الصحة والانسجام، والمرض وعدم التوازن سائدة حتى عصر الاستعمار، وعصر التنوير، والأهم من ذلك، حتى صعود الرأسمالية.

16 يناير 2025

قصيدة "دهشة الأطفال" شريف بقنه - فيديو

قصيدة «دهشة الأطفال» شعر وإلقاء د.شريف بقنه، سجلت الأمسية ضمن فعاليات الملتقى الشعري السادس، جازان المملكة العربية السعودية بتاريخ ١٠ يناير ٢٠٢٥.
The poem "Children's Wonder," written and
recited by Dr. Sharif Bugnah, was recorded during the Sixth Poetry Forum, Saudi Arabia, on January 10, 2025.
المزيد في أرشيف اليوتيوب

21 نوفمبر 2024

مختارات من رواية «طريق الحجّاج» عبد الرزاق قرنح، ترجمة د. شريف بقنه


الفصل ١
"كانت الساعة في برج سانت جورج تشير إلى الثامنة وعشرون دقيقة، تتأخر سبع دقائق دائمًا، وهو يعرف ذلك من خبرته الطويلة، لكنه شعر أنه ثمّة غرابة صغيرة ومحتملة هنا. كان البرج هو الشيء الوحيد في محيط مئات الأمتار الذي نجا من القصف الحربي. ربما خطر في باله، أن قلبه توقف لسبع دقائق. نجا والآن يجلس القرفصاء بأعمدته وأقواسه مثل ضرسٍ قديم. كانت القذائف موجهة نحو الكاتدرائية، لكنها بالكاد نجت، أُخفي زجاجها الثمين منذ زمن طويل، وظلّت جدرانها الجرانيتية وأبراجها آمنة من كل شيء باستثناء الضربات المباشرة. كذلك بمعجزة، نجت الشوارع الصغيرة المؤدية إلى الكاتدرائية أيضًا، مما جعل هذا التمثال الخالد للورع النورماندي يربض في مكانه منذ العصور الوسطى، محاطًا بمجموعة من الأزقة المتعرجة."

الفصل ٢
" كانت هناك دائمًا، بالتأكيد، احتمالية إجراء ولادة قيصرية طارئة عندما تكون الوردية في رمقها الأخير. سينبح الأطباء حينها في الهاتف، وستتهادى القابلات إلى غرفة العمليات، سيُعِدن ترتيب قطع الأثاث حتى لا تتسبب في إعاقة رؤيتهن لحظة دخول الطفل إلى العالم. سيتحقق طبيب التخدير من الأدوية والغازات التي قد يحتاج إليها، وستتذكر الممرضات مرة أخرى شعور اللحظة التي دفعتهم إلى المهنة. سيتأكد داود أن المريضة ستكون أثقل من معظم المرضى، وأن رفعها إلى طاولة العمليات سيكون أكثر صعوبة. سيكون هناك أيضًا الكثير من الدماء، حيث يشق الجرّاح طريقه إلى الرحم. ومع ذلك، سيكون الطفل دائمًا لطيفًا عندما يخرج. سيلاحظ داود أشد المتشائمين والمتهكّمين في غرفة العمليات يتحولون فجأة إلى بشر عند رؤية تلك النطفة تتنفس بصعوبة، فيبتسمون ويصفّقون."

13 سبتمبر 2024

حجَرٌ فلسفي - شريف بقنه

 
"عذابٌ، ومكانُ معاناةٍ، مرعبٌ" 
لويز جلوك، عن كتابةِ الشعر 

أكتبُ مالا أريدُ الحديثَ عنهُ انتحاراتٍ أخلّصُ فيها عصابيتي، ولاداتٍ أتماهى في أطوارِها وأتخلَّقُ، وأشعرُ بشلّالِ الفراغِ ينسكِبُ في رُوحِي ومُلاءةِ اللاجدوَى تُدثّر جسدي، وأشعرُ برأسي يخرجُ من رحِمٍ كما لو أنّ الأجسادَ الشعريةَ تكافحُ من أجلِ اقتحامِ الواقعِ بتعبيرِ بثارنيك. أكتبُ عندما يتلبسُني مأزقُ اللاأدرية وتفقِدُ الجاذبيةُ الأرضيةُ ماهيّتَها، يسقطُ القاع وأستحيلُ جسمًا مقذوفًا في خلويّةِ الكون. أرى الشّخصَ الذي لم أكنْه ممسوسًا بالحريَّةِ، مضادًا للألمِ، يتدلّى على حبالٍ وهميةٍ، وتصبحُ جميعُ المبرراتِ التي ابتدعتْهَا البشريةُ لتفسيرِ الوجودِ غيرَ حاسمةٍ بما يكفي لأتوقّفَ عنِ الكتابة. أكتبُ وفي أناي نزعةٌ شِعريةٌ متمّردةٌ ومُلحّةٌ يُفسِدُها التفلسفُ والمباشرة. أعرفُ ما يُفسِدُ شِعريَّتي؛ غيرَ أنّني لا أُطيقُ شعرًا لا يقولُ شيئًا أو شعرًا معلّبًا يستعبدُه اللَّحنُ. أحبُّ الشعرَ الذي يضربُ بالمنطقِ عرضَ الحائط، يسافرُ بلا بوصلةٍ أو خارطة، ورغمَ بوهميّتِهِ وصعلكتِه إلا أنَّهُ يتمثلُ الأستطيقا ويبنِي معماريتَهُ الخاصةَ على حجرٍ فلسفيٍّ تليد. لستُ فيلسوفًا ولكنّي شاعرٌ محفَزٌ بالفلسفةِ بتعبيرِ بيسوا. أكتبُ وأعانقُ اللحظةَ محرّفًا الوقت، غافلًا عنّي واعيًا بما حولِي، نابذًا يومي منغمسًا بكونِي، حرًّا حتى فيما يقعُ عليّ جبرًا، أرتدي الأبجديةَ وشاحًا جهنميًّا يشتعلُ من الداخلِ ويقضُّ سلامَ رُوحي الكسول، وتُحلّقُ بي الكلماتُ الى فردوسٍ أو جحيم.

١ أبريل ٢٠٢٤
شريف بقنه

صباحٌ جديد - شريف بقنه

شمسٌ تعوّلُ
على الماضي السّحيق،
ولا زِلْنا نردِّدُ كلَّ يومٍ  
"صباحٌ  جديد".
نصحُو 
بلا قصدٍ مثل حجِرٍ
بلا سببٍ مثل قدَرٍ، 
نلبس جسدًا لا نعرفُه
ونداولُ الأيّامَ خبزًا
يسدُّ رمقَ المتعبين. 
نهيمُ في عتمةِ اللَّيل، 
ونشجُبُ التّكرارَ لزمنٍ 
موبوءٍ بمرضِ التخلّي المرير. 
نحاولُ، نكدُّ ونكدحُ 
كي لانفعلَ شيئًا. 
نحاولُ والحدسُ دليلُنا
الحيرةُ كنزُنا، 
والمدى طَللٌ تناثرت 
فيهِ عظامُ البشرِ
تغشاهُ غيومٌ تخثّرت 
في حلقِ السّماءِ، 
والطّريقُ إلى اللهِ
مقطوعةٌ. 

22 يوليو 2024

حارسُ الفناءِ - شريف بقنه

أنا اسمِي وفمِي ويدِي  
صوتِي ومعطفِي 
تلك أشيائي، من أنا؟  
 يسألُنِي ظلِّي الناسكِ. 
معالجٌ جريحٌ
يجتاز المسافات الرّمادية 
يقدحُ شرارةَ  الوعي في خِدرِ الظَّلامِ، 
والنَّهارِ فرخٌ نائمٌ في عشِّهِ السِّرِّيّ 
والمحيطُ حوضٌ فارغٌ 
ينتظرُ فِرارَ حُورياتِهِ
من بطشِ أپولو وهرميس وآرتميس،
والانتباهُ المفرطُ يتدربُ على
بروفاتِ دراما اليومِ. 

أقاومُ الخرابَ وتلفَ الرُّوح
أناضلُ أسفلَ الجبلِ مع سيزيف
تتفرّسُ بي بيثيا،
 تخبرنُي أنَّ المِطرقةَ 
هشَّمتْ رأسَ الحكمة.
أستعملُ جسدًا ويفلتُ 
الوقتُ من يدي، 
لا أملكُ سوى إيمانٍ متقلّبٍ 
وقلقٍ مُطاردٍ فادحٍ. 

أنا حارسُ الفناءِ. 
طفرةُ الطّبيعةِ الشاردةِ
تبتكرُ تمرّدَهَا الصَّغيرَ         
ثم تُذعنُ للزَّوالِ،
تمتزجُ بنيازكِ التّلاشِي
تشارك الكونَ انفجاره الكبير.

18 يوليو 2024

أريد أن أكتب شيئًا بكل بساطة - ماري أوليفر


أريد ان أكتب شيئًا
بكلّ بساطةٍ
عن الحبّ
أو الألم،
شيئًا
تقرأه
وتشعر به
وكلّما قرأت
كلّما شعرت،
وعلى الرّغم من أنني أكتب
قصّتي إلا أننا نشترك فيها،
على الرغم من أنها تخصّ فردًا
إلا أنك تعرفها
حتى في نهاية الأمر..
تظنُّ
لا، تدرك-
أنك كنت طوال الوقت
تكتبُ كلماتها،
أنها كانت طوال الوقت
كلماتٌ قلتها
عنك ومنك
من صميم قلبك.
___________________
ترجمة شريف بُقنه
ماري أوليفر Mary Oliver شاعرة وكاتبة وروائية أمريكية ( ١٩٣٥-٢٠١٩ ). حازت العديد من الجوائز؛ مثل جائزة بوليتزر عن فئة الشعر ١٩٨٤ وجائزة الكتاب الوطني للشعر ١٩٩٢.
"I Want to Write Something So Simply" by Mary Oliver from Evidence: Poems, 2009 by Beacon Press

17 يوليو 2024

جرف وراء العالم - شريف بقنه

١
وفي الحياة ستمتطي حصانًا هلاميًّا
سرجُه الوعيُّ وزمامُهُ الشكُّ 
وحدواتُهُ أوقاتٌ تسيلُ 
من كلِّ صوبٍ،
ستركضُ محاكاةً خطرةً 
ورحلةَ إلهاءٍ مستمرةً.
ستشقُّ طرقًا محفوفةً بالشُّرور 
ملغّمةً بالهلاوسِ والضلالاتِ
وكلُّ فكرةٍ ضلالةٌ
والخيرُ والشرُّ 
خيالاتٌ في عُرفِ الأبديةِ.
سيجري ينبوعُ الزَّمنِ 
من بينِ قدميْكَ، 
ولكنِ انظرْ إلى الدّهرِ 
ولا تنظرْ تحتَ قدميْك 
انظرْ إلى جرفٍ وراءَ العالم.
ستجدُ ملاكًا قدَمه مكسورةٌ 
وجماجمَ أسلافٍ مجذومين 
ومدينةً مطمورةً، 
وفي الأرضِ وصفٌ 
يُغني عنِ النَّدمِ.
ستفنِّدُ عقائدَ ودسائسَ 
واحتمالاتٍ وصرخاتٍ 
تحنّطت في ذرواتِها.
ستسحقُ إرادتُك كلَّ شيءٍ 
ما عدا الألمَ والموتَ والكآبةَ؛ 
خطايَا الحياةِ التي لا تُغتفرُ.
سترى طيفًا تهيّأ حقيقةً 
ولا حقيقةَ سوى المادةِ والتجربةِ 
وكلُّ ما يشتغلُ حولَكَ 
لا يعدو كونَهُ مسمارًا صغيرًا 
في ماكينةِ الحياةِ الهائلةِ 
أو صيغةً رياضيةً 
مرسلةً في فلواتِ السَّماءِ.

٢
كُنِ الغريبَ يخمرُ الرغبةَ
ويجمدُ اللحظةَ ساعةً للتجّلي،
أعرِضْ عن أطواقِ النجاةِ
أطواقِ القانعِ والعادي 
ولا تفعلْ شيئًا لأنك وجدتَهم يفعلون
اِبحثْ عن حريةٍ تجمعُ فوضاك.
كُنِ الصابرَ المفتونَ بالترقّبِ
 المؤجّلَ لموعدٍ غامضٍ
 المجبولَ على غيابِ الآخَرِ والأبدي.
و"اعلم أنَّ الألمَ هو الشرفُ الوحيدُ 
الذي لن تنالَ منه الأرضُ، ولا الجحيم" *
 وأنَّ الألمَ معبرُ العالمِ.
كُنِ العارفَ الذي يتفانى في شكِّهِ
 يحاججُ، ينقضُ، يقوّضُ
 يفرِشُ الأسلاكَ الشائكةَ 
في روضاتِ اليقين،
ليكن أعمقُ ما تثقُ به 
ألا تثقَ بشيءٍ 
وسجِّلْ شهادتَكَ فارغةً.
كُنِ الأزليَّ كاهنَ الأيامِ
رديفَ المطلقِ
سيّدَ السُّننِ،
قل كلمتَك وتحطَّم
واصنع سعادتَك 
بطلاوةٍ بفنائِك.


شريف بقنه
خميس مشيط
 ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٣

_________________
*شارل بودلير

16 يوليو 2024

طيفُ الحقيقة - ديفيد ولبِرت | تحرير: كاميرون آلان ماكين

ترجمة: شريف بقنة – تحرير ومراجعة: بلقيس الأنصاري
قد لا يُمكن للعِلم والرياضيات القبض على الكون الماديّ بشكلٍ كامل. هل ثمَّة حدود يصعب على الذَّكاء البشريّ تجاوزها؟
على الرغم من إنجازاته الفكرية العديدة، إلا أنني أظن أنّ هناك بعض المفاهيم التي لا يستطيع كلبي تخيّلها أو حتى التفكير فيها. يمكنه الجلوس بحسب الأوامر وإحضار الكُرة، لكنّه لا يستطيع تخيّل أنّ العلبة المعدنية التي تحتوي طعامه مصنوعة من الصخور المُعالجة. أظنّ أنه لا يستطيع تخيّل أنّ الخطوط البيضاء التي تطول ببطءٍ في السماء، والتي تنتجها آلات مصنوعة أيضًا من الصخور، تمامًا مثل علب طعام الكلاب. أظنّ أنه لا يستطيع تخيّل أن عُلب طعام الكلاب المُعاد استخدامها في السماء تبدو صغيرةً جدًا فقط لأنها شاهقة الارتفاع. وأتساءل: هل هناك أيّة طريقة يمكن من خلالها لكلبي أن يستوعب أنّ مثل هذه الأفكار موجودة بالفعل؟ لا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى ينتقل هذا السؤال لمكانٍ آخر. سرعان ما بدأتُ أتساءل عن المفاهيم التي لا أعرف أنها موجودة: المفاهيم التي لا أستطيع حتى تخيَّل وجودها، ناهيك عن التفكير فيها. ما الذي يمكنني معرفته عن ذلك الذي يقع خارج حدود ما يمكنني تصوّره؟
محاولة الإجابة على هذا السؤال تقودنا -فقط- إلى طرح المزيد من الأسئلة. في هذا المقال، سأعبر سلسلةً من ١٠ استفهامات تنقل نظرةً ثاقبة حول كيفية تصوّر ما هو على المحكّ في السؤال، وكيفية الإجابة عليه (وهناك الكثير على المحكّ). إنّ السؤال حول ما يمكننا معرفته وما يقع خارج حدود خيالنا يتعلّق جزئيًا بالوظيفة البيولوجية للذكاء، وجزئيًا يرتبط بأعظم بدَلاتنا المعرفية، خاصةً اللغة البشرية وعلم الرياضيات. يتعلّق الأمر أيضًا بإمكانية وجود واقع مادّي يتجاوز بكثير واقعنا أو واقع محاكاة لا نهائيّ يعمل في أجهزة كمبيوتر تعود لأشكال حياةٍ غير بشريَّة مُتقدِّمة. ويتعلّق الأمر بذريّتنا التكنولوجية، هؤلاء “الأطفال”، الذين سيتفوّقون علينا معرفيًا يومًا ما. من منظور استفهاماتي العشرة، تصبح الاستثنائية البشرية مُهتزة للغاية. ربما نكون مثل الكلاب (أو باراميسيا وحيدة الخليَّة)، ويصعب علينا الاعتراف بذلك. على الرغم من أنّ تاريخ البشرية مليء بشهادات اِفتتانٍ عن ألمعية الإنسان وذكائه، فإن هذه السلسلة من الأسئلة ترسم صورة مختلفة: أريد أن أؤكد المدى الفظيع، وربما المرعب، لمحدودية إنجازاتنا؛ لغتنا وعِلمنا ورياضياتنا.
وهكذا، فإنّ السؤال الأوَّل في السلسلة ببساطة:
١- على مقياسٍ موضوعيّ غير محدَّد، هل نحن أذكياء أم أغبياء؟
لفتراتٍ طويلة من الزمن، يبدو أنّ مستوى الذكاء الأعلى على الأرض قد زاد ببطءٍ شديد، في أحسن الأحوال. حتى الآن، تقوم أدمغتنا بمعالجة المعلومات الحسِّية الحركية باستخدام كلّ أنواع الحِيَل الحسابية التي تسمح لنا القيام بأقلّ قدر ممكن من التفكير الفعلي. هذا يشير إلى أنّ التكلفة المرتبطة بالذكاء مرتفعة. اِتضح أنّ الأدمغة غالية التكلفة من الناحية الأيضية بشكلٍ غير عاديّ على أساس كل وحدة كتلة، أكثر بكثير من جميع الأعضاء الأخرى تقريبًا (باستثناء القلب والكبد). لذا، كلَّما كان الكائن الحيّ أكثر ذكاءً؛ كلَّما احتاج إلى المزيد من الطعام، أو ربّما يموت. من الناحية التطوُّرية، من الغباء أن تكون ذكيًّا.
ليس لدينا فهم جيّد للكيفية التي تمنحنا بها أجهزتنا العصبية الذكاء التجريدي. نحن لا نفهم كيف “يصنع الدماغ العقل”. ولكن بالنظر إلى أنّ المزيد من الذكاء يتطلَّب المزيد من كتلة الدماغ، ما يؤدي إلى مزيدٍ من التكلفة الأيضيَّة، يتوقع المرء أن يكون لدينا أدنى مستوى ممكن من الذكاء التجريدي المطلوب للبقاء على قيد الحياة في المجال البيئيّ الدقيق والذي تطوّر فيه الإنسان العاقل: الحدّ الأدنى من الذكاء المطلوب لعبور عدة ملايين من السنين بالصيد والتزاوج حتى أصبحنا محظوظين ووجدنا أنفسنا في ثورة العصر الحجريّ الحديث.

19 أبريل 2024

غداءٌ عائلي - لي يونج لي

يُعدّون في الباخرة سلمون مرقّط
متبّل ببلورات الزنجبيل، والقليل
من البصلٍ الأخضرٍ وزيت السمسم.
سنتناوله غداءً مع الأرز ،كلنا
أخوتي وأخواتي، وأمّي التي
ستتذوق أحلى رأس سلمون،
تمسكه بين أصابعها بحذاقة،
بالطريقة التي أمسكه أبي
منذ أسابيع. ثم استلقى
نائمًا مثل طريقٍ مغطىً بالثلوج
يتعرّج بين أشجار صنوبرٍ شاخت،
دون أي مسافر، وحيدًا لا ينتظر أحدًا.
________________
ترجمة شريف بقنه
* لي يونغ لي Li-Young Lee شاعر أمريكي معاصر. ولد في جاكرتا، لأبوين صينيين. حصل على عدد من الجوائز الأدبية منها جائزة الكتاب الأمريكي وجائزة وليم كارلوس ويليامز.(١٩٥٧- )
* العنوان الأصلي للقصيدة Eating Together بمعنى نأكل سويّةً.
"Eating Together” from Rose by Li-Young Lee, 1986 BOA Editions Ltd

الشاعر - شريف بقنه

مِثْلُ راهبٍ ينصتُ للصّمت
أمضى الليالي في انتظارِ
معجزةٍ أو ملاك،
حتى أصبحت يدُه قصبةً
وجبهتُهُ ساحةَ حرب
وفاضَ قلبُهُ بحزنِ المراثي.

زمنٌ يعود إلى الخلفِ بالحركة البطيئة،
وهو يسير على شعرةٍ متقصفةٍ
بينَ الفنِّ والعبَث
يُروّضُ الوحشَ النائمَ في أناه
يتفقّدُه، ويمضي واثقًا بصرامةٍ
لا يسلُبُ إيمانَهُ أحدٌ.

يُخرِّبُ، ينقضُّ وينقلبُ
يسقطُ في قعرِ جحيمٍ باردٍ
يقوّضُ ذاتَهُ ويعود طفلًا جديدً
لا يلبثُ أن يشيخَ
في غُمّةِ الأبجديةِ والدلالة،
يضِيقُ ذرعًا بالكلمات
كلما حاصرتْهُ معضلةُ المصيرِ والضميرِ،
تسقطُ في جوفِهِ جمرةٌ ويجفُّ نهرٌ
وكلّمَا شقّتْ عليهِ المسألةُ
كلّما تشبَّثَ بها.

يطوي السِّنينَ في داخلِهِ
يتشنّجُ في نوباتٍ مازوخيةٍ
يستأنسُ بالجرحِ، يُفتَنُ بالذُّعرِ
وينهمكُ في نوائبِ الدَّهر.
يخرجُ بعد كلِّ شيءٍ جريحًا
زاهدًا في ألمِهِ، موقنًا بأنّه فعلَها
ورغمَ مخاضاتِهِ وعثراتِهِ
رغمًا عن النَّدمِ والبلاءِ والرَّوعةِ
لايزالُ يتركُ بابَهُ مخلوعًا للَّيلِ
في انتظارِ جنّيةٍ أو نبيٍّ.

سانتياغو، كاليفورنيا
١٤ نوفمبر ٢٠٢٣